السلايدر الرئيسيتحليل إقتصادي

العناني وبدران يكتبان: الأزمة الراهنة.. والميثاق الاقتصادي العربي

جواد العناني – إبراهيم بدران

مع جائحة الكورونا ،تمر المنطقة بفترة غير مسبوقة من التراجع والتفكك وعدم الاستقرار، وانهيار دول واستباحتها من القوى الخارجية الاقليمية والدولية، اضافة إلى الخروج الجماعي على القانون والدولة، وانفلات المنظمات الإرهابية، واشتداد الانقسامات الدينية والمذهبية والطائفية والقومية، وتكاثر الحركات المتطرفة، وتفتت الكتلة العربية، وغياب الرأي العربي المتوافق عليه، سواء للدول او منظمات المجتمع المدني أو النخبة من المفكرين والسياسيين، وفوق ذلك تبعثر الرأي الوطني وضياع البوصلة السياسية والاقتصادية في معظم اقطار المنطقة. وكان نصيب المنطقة من اللاجئين والنازحين نتيجة لذلك كبيراً بحيث تجاوزت اعدادهم في بعض الأقطار أكثر من 30% من السكان، بكل الضغوط على الاقتصاد والموارد والأرض والبيئة والمجتمع والمواطن.
يضاف إلى ذلك تغوّل اسرائيل على الشعب والأراضي الفلسطينية والأماكن المقدسة والإمعان في تثبيت عنصريتها وأطماعها التوسعية في الاقطار العربية المجاورة وغير المجاورة ، كل ذلك بدعم مطلق من الادارة الامريكية.
ان مجريات الاحداث في المنطقة بما فيها جائحة الكورونا تبين بوضوح: ان فترة عدم الاستقرار والصراعات المذهبية والسياسية والتدخلات الاجنبية والاعتداءات الاسرائيلية سوف تستمر لعدة سنوات .إن الصراعات الدائرة في المنطقة يختلط فيها السياسي بالاقتصادي بالإجتماعي بالفكري بالديني بالإعلامي بالدعاوي بالمخابراتي بالتطرف بالإرهاب، باطراف غير محددة الهوية وأخرى متسترة الغايات والأهداف. وهذا كله يجعل من الممكن للقوى المتطرفة ان تتسرب إلى جسم المجتمع الوطني، وخاصة فئة الشباب. وجاءت جائحة الكورونا لتزيد المشكلات العربية تفاقماً ، وقد تستمر الجائحة لسنة أو سنتين حتى يتم تطوير لقاح مضاد لها بكل ما يرافق ذلك من تداعيات صحية و اقتصادية و اجتماعية مخيفة . الامر الذي يتطلب خططا وطنية تقوم على رؤية شمولية تعمل الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب والقوى السياسية وقادة الفكر والعلم على تنفيذها فوراً ولفترة كافية.
و في مثل هذه الظروف، حين تشتد الأزمات و تتفاقم المشكلات، فإن الأنظار تتجه نحو المفكرين المتميزين اصحاب الرؤية الاستشرافية المستقبلية. وفي مقدمة هؤلاء لدينا سمو الامير الحسن بن طلال، رئيس مجلس امناء منتدى الفكر العربي، و الذي له و منذ عدة عقود مساهماته الدولية و العربية و الوطنية الفكرية و الإنسانية المرموقة .و من ضمن ذلك ما وجه به قبل سنوات قليلة بإعداد ميثاقين عربيين، الأول ميثاق اجتماعي عربي، والثاني ميثاق اقتصادي عربي. و كان لنا الشرف نحن كاتبا هذا المقال في صياغة النسخة النهائية للميثاق الاقتصادي العربي، والذي اقر بالإجماع من قبل الهيئة العامة للمنتدى عام “2015” وبعد عدد من جلسات البحث والنقاش شارك فيها العديد من المفكرين.
2-
و باستجابة كريمة من سمو الامير الحسن بن طلال عندما التقى به عدد من الوزراء والمثقفين العرب، واقترحوا انشاء منتدى ليكون جسراً رابطاً بين السياسيين وصناع القرار في الوطن العربي من ناحية، و بين المفكرين العرب أنفسهم من ناحية أخرى،تأسس منتدى الفكر العربي عام 1980، بعد انعقاد القمة العربية الاقتصادية في عمان، و سيحتفل بعيده الأربعين . وابتدأ المنتدى سنواته الاولى بعزيمة عالية، وقدم ابحاثاً وكتباً وعقد ندوات و مؤتمرات، و تواصل مع المنتديات الشبيهة في الوطن العربي، والصين، وتركيا، وأوروبا، والهند، والباكستان، وصار قبلة للباحثين، لا يشوب عمله خلاف. وكثر المفكرون العرب الراغبون في عضويته، وصارت عملية الانتقاء والاختيار ضرورية. واجتمعت فيه من كل الوطن العربي مجموعة من العقول النيّرة، تقبل الخلاف وتبحث عن الجوامع، وتعي ضرورة تحصين القرارات الحكومية بالفكر و العلم والتمحيص. و رغم ما مرَّ على الأمة من أحداث وتحديات بدأت بإنشاء مجلس التعاون الخليجي عام 1981، ومجلس التعاون العربي عام 1986، واحتلال العراق للكويت عام 1990 والتي شكلت صدمة عنيفة و نكسة قاتلة وعكست الخلافات بين المفكرين العرب بدلاً من ان تجعله نقطة جمع ومصالحة، ومن بعد ذلك جاء الربيع العربي، والخلافات العربية العربية. رغم ذلك بقي المنتدى قائماً و فاعلا، وهناك الكثيرون من المفكرين الذين ما يزالون يرون فيه منبراً لتجسير الخلافات العربية. و في عام 2012 انهى منتدى الفكر العربي وضع “ميثاق اجتماعي عربي” سنعود للحديث عنه في مقالة قادمة. في حين اليوم ، وفي ظل ألأزمة الإقتصادية التي فاقمتها جائحة الكورونا سنركز على الميثاق الاقتصادي العربي.
ما الذي يجعل هذا الميثاق مختلفا عن غيره مما انتجته الجامعة العربية ؟، أو ما الذي استجد في الظرف العربي كي يبرر الحاجة الماسة إلى الرجوع إلى الميثاق؟ أو اعادة النظر في الفرضيات الاساسية التي قامت عليها دراسات هامة اقرت في مؤتمر قمة عمان، وساهم في اعدادها اعضاء منتدى الفكر العربي قبل الاعلان عن تأسيسه؟. ونخص بالذكر وثيقة “استراتيجية التنمية العربية”، ووثيقة “عقد التنمية العربية”. وقد وضعت هاتان الوثيقتان بعد ارتفاع اسعار النفط، ودخول العالم في ظاهرة “الكساء التضخمي”، وانقسام الوطن العربي إلى ثنائيات اما دول مصدرة للنفط او مستوردة له، أو دول تتمتع بفائض رأس مال وأخرى لديها فائض عمالة، أو دول مصدرة لرأس المال، وأخرى مصدرة للعمالة.
ومنذ الازمة المالية العالمية عام “2008” ، تأكد بشكل لا يقبل الجدل فيه أن الاقتصادات العربية مرهونة ومرتبطة بالاقتصاد الدولي، والأمريكي منه خاصة، وقد ادت ظروف الاستثمار الخليجية إلى تصفية كثير من الاستثمارات في الدول العربية الاخرى. وشاهدنا تراجعاً في التوظيف العربي لحساب الإثنيات الآسيوية في مجلات المال والمصارف والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والبناء، والنقل، والطيران وغيرها.
وبعد انفجار ازمة فايروس الكورونا المتجدد، و هبوط اسعار النفط، بدا النظام العربي برمته مجزءاً ومشرذماً. و تعززت ظواهر خطيرة في مقدمتها فقدان العرب دورهم السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط (حتى الآن على الاقل) لصالح ثلاث أو اربع دول مجاورة وهي تركيا وإيران وإسرائيل، وحالياً تسعى اثيوبيا ان تكون رابعتها. كل هذا عزز ضرورة العودة إلى “الميثاق الاقتصادي العربي” و الذي قال فيه سمو الأمير الحسن في حفل إعلانه:”الميثاق الاقتصادي العربي… يشكل مدخلاً تحليليا للواقع التنموي في الوطن العربي وآفاقه المستقبلية… وتركز اسباب ومبررات الميثاق على ضرورة وصول القرار الاقتصادي العربي الوطني والمشترك إلى عقلانية مستقرة تتجنب السياسية ومنعطفاتها، وتحافظ على استقرارية الإنجاز الاقتصادي وديمومته”.في حين ركز جواد العناني، في كلمته بتلك المناسبة على “التأكيد بأن الفوارق الاقتصادية بين الاقطار العربية لا تلغي تشابه التحديات داخل الاقطار نفسها مثل البطالة، والمستقبل الرقمي، والفقر، والريعية، واتساع قطاع الحكومة، وضعف ادارة الموارد في الدول”، بينما أكد ابراهيم بدران في ذات المناسبة “بأن على الاقطار العربية أن تكون على يقين راسخ بأن التحول إلى الاقتصاد الصناعي الاجتماعي هو حجر الزاوية لاستمرار الدول الوطنية منفردة، والدول العربية مجتمعة، و لتكون جزءاً فاعلاً من الحضارة الإنسانية، لا مستهلكة لإنتاجها”.
يشتمل الجزء الاول من الميثاق على وصف الاوضاع الاقتصادية في الوطن العربي، موضحا بأن التشابه في التحديات الاقتصادية التي تواجه الاقطار العربية صار كبيراً لا تخطؤه العين، ولا يغيب عن ذهن المتبحر في الامور. فلم تعد الازدواجيات التي كان يوصف بها الوطن العربي صحيحة تماماً. فالتقارير الصادرة عن المنظمات العربية المشتركة ما عادت تقسم الوطن العربي إلى دول مصدرة للنفط وأخرى مستوردة له، ولا دول فائض رأس المال مقابل دول ذات فائض في القوة البشرية.
وفي ظل ظروف جائحة الكورونا ،فإن الميثاق الإقتصادي العربي يشكل خارطة طريق و مسارا أسلم لمواجهة تداعيات المستقبل، و لضمان التنمية المستدامة، وللحفاظ على الأمن والاستقرار، وإضفاء الشرعية و الوطنية على نظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
3-
تعاني جميع الاقطار العربية ،بما فيها الدول النفطية ، من هشاشة البنية الاقتصادية ، وأزمات عميقة في المياه والطاقة وإنتاج الغذاء وتهميش الزراعة وعدم انشاء مراكز اقتصادية قوية في الأرياف و الأطراف ،وهلامية سوق العمل ،وتراجع الثقافة والفنون، اضافة إلى ازمات تداول السلطة وغياب الديموقراطية والانفراد في القرار وضعف او غياب الحياة الحزبية، والاعتماد المفرط على القوى الاجنبية، وضعف الانتاج المحلي والإفراط في الاستيراد. و كذلك انتشار الفساد والمحسوبية في الادارات المختلفة. كما تعاني المنطقة من غياب التعاون المستقر والمتنامي بين أقطارها حتى المتجاورة منها، وغياب شبكات السكة الحديدية والكهرباء والصناعات الكبيرة المشتركة ومراكز الابحاث والتطوير.و قد استنزفت الحروب الاهلية والانقسامات في عدد من البلدان قوى تلك الدول وهمشت التعاون العربي وأنتجت نخبا سياسية لا تزال تتمسك بالسلطة بأي ثمن. وتضم المنطقة العربية 420 مليون نسمة تعاني من نسبة بطالة مرتفعة كانت 15.7% قبل الجائحة وهي ضعف المتوسط العالمي للبطالة قبل الكورونا والتي كانت في حدود 7.9% وبحلول الكورونا ارتفعت نسبة البطالة وخاصة لدى العمالة غير المنظمة والتي تشكل 52% من مجمل العمالة او حوالي 47 مليون انسان موزعة في مختلف البلاد العربية . وترتفع البطالة بين الاناث عنها بين الذكور وبين حملة الشهادات الجامعية عنها بين المستوى الادنى من التعليم. وتختلف نسبة الفقر من بلد إلى آخر اختلافاً كبيراً فهي الأعلى في بلدان كالسودان واليمن واريتريا و الأدنى في الدول النفطية. ويبلغ متوسط السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر 17% وترتفع هذه النسبة بدرجة كبيرة في الارياف والأطراف وبؤر الفقر في المدن.

الجزائر اريتريا الاردن لبنان المغرب السودان سوريا تونس اليمن
5.5%    50%  14%  28%    15%    42%     82%   15%    54%

كما تعاني جميع الدول العربية من تآكل الطبقة الوسطى وتراجع التعليم في جانبه النوعي رغم التوسع الكمي حيث تجاوز اعداد الطلبة الجامعيين 4 مليون طالب، كما تعاني الارياف والأطراف من الاهمال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. يتراوح متوسط دخل الفرد في المنطقة من 69 ألف /للفرد في قطر نزولاً إلى 38 ألف في الامارات و30 ألف في الكويت و23 ألف في السعودية و 4.4 ألف في الاردن و4 آلاف في الجزائر و3.3 في المغرب وتونس و 3 آلاف في مصر نولاً إلى 0.7 ألف في السودان وبالتالي فإن المتوسط العربي العام في حدود 3500 دولار/للفرد سنوياً. وتعاني الاقطار العربية من الاعتماد المفرط على الخارج، سواء في المديونية او الغذاء او الدفاع. كما ان الافراط في العمالة المهاجرة احدث خلخلة كبيرة في بنيان هرم المهارات اضافة إلى هجرة العقول بسبب الضغوط وانعدام الفرص.
4-
ستخرج جميع دول العالم من الكورونا وهي في تراجع اقتصادي وإنهاك اجتماعي وبطالة مرتفعة وتعطل للخدمات وتباطؤ في التعليم والثقافة وإنهاك للأجهزة الصحية من مرافق ومؤسسات وكوادر بشرية، وسيكون وضع الاقطار العربية اشد صعوبة وخطورة بسبب الاعتماد الكبير على الاخرين. وهنا يجب التفكير في الخروج من الازمة ليس بهدف العودة إلى حالة ما قبل الكورونا ولكن إلى حالة جديدة سارعت في تشكيلها ازمة الكورونا نفسها ومنتجات الثورة الصناعية الرابعة من انتشار العمل عن بعد وتوزيع المنتجات بالتسليم delivery ولجوء الكثير من الصناعات والخدمات إلى استخدام الروبوطات والأنظمة الذكية الامر الذي سيؤدي إلى اختفاء وظائف كثيرة قد تصل إلى 30% او 40% من الوظائف المعروفة اليوم مما يجعل ازمة البطالة بالغة التعقيد اذا لم يتم تطبيق البرامج المناسبة وهكذا فالمطلوب التفكير في فضاءات رئيسية:
• الفضاء الصحي
• الفضاء الغذائي
• الفضاء الاقتصادي
• الفضاء الاجتماعي
• الفضاء التعليمي والثقافي
• الفضاء السياسي
-5
دون المبالغة في التقدير، فإن جميع الاقطار العربية لديها امكانات بشرية بالدرجة الأولى وطبيعية يمكن ان تكون مدخلاً لحركة نهضة اقتصادية اجتماعية اذا توفرت الإرادة والإدارة وثقة الشعوب بما تفعله الادارات. كما ان الكثير من الاقطار لديها ثروات كبيرة موزعة ومسشتتة بين الافراد والمؤسسات دون ان تجد الفرصة المناسبة للاستثمار. كما ان في كل بلد عربي مجموعة من الصناعات الكبيرة والقطاعات الخدمية الجيدة التي يمكن ان تكون قاطرة لنهضة اقتصادية اجتماعية متنامية. وفي الجانب السياسي فإن الشعوب العربية بدون استثناء تواقة إلى ادارات كفؤة ونزيهة بعيدة عن الفئوية والمناطقية وتكرس ولاءها للوطن دون اعتبار البقاء في السلطة الحافز الوحيد لها وهذا ما تطالب به الجماهير.
ان الخروج من الازمة الراهنة في جوانبها المختلفة يتطلب العمل في مسارين:
• الأول: المسار الوطني،
• الثاني: المسار العربي.
ففي المسار العربي:
• على الجامعة العربية ان تبادر إلى تفعيل منظمات العمل العربي المشترك بروح جديدة تتمركز حول ادراك الاخطار المحيطة بالجميع
• دعوة قادة الدول العربية إلى لقاء عن بعد يتم فيه:
أ‌- التعهد بتجميد الخلافات البينية لمدة 5 سنوات أو الانتهاء منها على مبدأ منتصف الطريق
ب‌- البدء في التعاون في مشاريع ليست محل نزاع او ليست ذات طابع سياسي وفي مقدمتها
 مراكز ابحاث للطاقة المتجددة،
 تحلية المياه بالطاقة الشمسية،
 انتاج الغذاء،
 الزراعة الذكية،
 مركز ابحاث الأوبئة
ت‌- التوقف عن التطبيع المجاني والالتزام بخطة السلام العربية قيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي
6-
ففي الفضاء الصحي لا بد و أن تستمر الجهود للسيطرة على جائحة الكورونا بالوسائل الادارية والقانونية والصحية والتكنولوجية من حيث استخدام الاجهزة والمعدات التي تحقق مفهوم التباعد والتعقيم والفحص المبكر. كما يتطلب الامر وضع ضوابط لوجستية للأشخاص او البضائع بحيث لا يدخل البلاد إلا من يخضع للحجر الصحي الصارم وعند الحدود في حين يتم استخدام النقل التبادلي لنقل البضائع بما فيها الترانزيت فكل بضاعة يقف ناقلوها عند الحدود دون الدخول ليتسلم البضاعة بعد تعقيمها ناقل وطني يوصلها إلى النقطة المطلوبة في البلاد او عند الحدود وهكذا. ان احتمال ظهور اوبئة جديدة بشكل مفاجئ اصبح متوقعاً ومن هنا لابد من انشاء مركز وطني للأوبئة سواء بشكل مستقل أو بالتعاون ما بين اكثر من طرف و تشارك جامعتان أو أكثر لدعم الابحاث التي يقوم بها او يتطلبها المركز الوطني للأوبئة. ويتطلب الأمر كذلك تكثيف الجهود في الصحة المجتمعية وخاصة في الأرياف والمناطق الفقيرة وتكثيف التوعية الصحية بأساليب مبسطة. ويضاف إلى ذلك دعم الصناعات الطبية والدوائية وإنشاء صناعات وطنية قوية بمساهمة الصناديق الحكومية للأجهزة الطبية الاكثر احتياجاً في حالة الأوبئة.
وفي الفضاء الغذائي، فقد اظهرت جائحة الكورونا و ما رافقها من توقف الاستيراد والتصدير إلا في اضيق الحدود، ان العامل المكمل للصحة هو الغذاء، وخاصة إذا طالت فترة التباعد وتوقف الانتاج بأشكاله المختلفة. ويعاني العالم العربي من عجز غذائي متفاقم قد يصل إلى 53 مليار دولار لعام 2020 او ما يقرب من 130 دولار/فرد سنوياً. و يتركز العجز في الاساسيات كالقمح والذرة والحبوب والبقوليات والزيوت النباتية واللحوم والتي هي مصدر الغذاء الرئيسي والبروتينات للشرائح الوسطى والفقيرة من المجتمع. إن الأرقام هذه مرشحة للزيادة نتيجة للتغيرات المناخية والتصحر و شح المياه. وهذا يتطلب ان تضع الدولة برنامجاً وطنياً للأمن الغذائي يقوم على التوسع في الانتاج الزراعي وخاصة الاساسيات وبأساليب حديثة ومتطورة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة التي تتطلب كميات اقل من المياه ابتداء من الزراعة المائية وانتهاء بالسلالات عالية التحمل للحرارة. ومن غير الممكن ان يتحقق الامن الغذائي دون تحقق الأمن المائي الذي يقتضي التوسع بتحلية المياه بالطاقة الشمسية. وهنا يمكن انشاء مركز ابحاث عربي لتحلية المياه بالطاقة الشمسية ومركز وطني لتطوير الزراعة والنهوض بالتكنولوجيا الزراعية على اوسع نطاق.
7-
وفي الفضاء الاقتصادي، و بالرجوع إلى الميثاق الإقتصادي العربي نجد أن جميع الاقطار العربية ليس لدى اي دولة برنامج استراتيجي شامل للاعتماد على الذات وللتحول والانتقال من اقتصاد الريع او التجارة أو استخراج الثروات الطبيعية او صناعة المال إلى حالة الدولة الصناعية ذات الاقتصاد الصناعي الذي يعتمد على مدخلات العلم والتكنولوجيا والإنتاج السلعي والخدمي المتقدم.
لقد كان من المتوقع وبالاستفادة من تجارب دول شرق آسيا ان يكون هناك شعور سياسي وفكري بصدمة التخلف ومن ثم ان يكون هناك انتباه ثم تركيز اكثر على تصنيع الاقتصاد الوطني وإنتاج السلع والخدمات على مستوى القطر الواحد. إلا ان ما تم عكس ذلك، حيث ضعف الانتاج السلعي واستمر الاعتماد المتزايد على الاستيراد إلى الدرجة التي اوقفت بعض الدول العربية انتاجها التقليدي من السلع الصناعية والزراعية لتستورد البديل من السوق العالمي بما في ذلك الغذاء، هذا إضافة إلى الاعتماد المفرط على القروض والمساعدات المالية والعلمية والتكنولوجية.
ان العالم يشهد تحولات اقتصادية ومالية وتكنولوجية وبيئية عميقة سوف تتراجع فيها فرص الاقتراض والمساعدات وسوف تتعقد متطلبات الحفاظ على الاستقلال السياسي والأمن الاجتماعي دون وجود اقتصاد وطني حديث قادر على التعامل مع المتطلبات الوطنية بمختلف اشكالها ومستعد للتفاعل مع العالم من موقف القوة والإنتاج وليس الضعف و الاستيراد وهذا يتطلب من كل دولة بذاتها وبمفردها ومسؤوليتها.
أولاً: أن يترسخ الادراك والايمان لدى قيادات وقوى الدولة الوطنية من احزاب ومفكرين ان اقتصادات الدول لا تصنع في الخارج ولا تقوم على المنح والمعونات والقروض، ولا يجدي فيها التطبيع مع اسرائيل، وإنما استثمار رأس المال البشري والثروة الوطنية التي يملكها صغار المدخرين والمؤسسات الوطنية من خلال مفاهيم الاعتماد على الذات، و التحول نحو الإقتصاد الصناعي الإجتماعي.
ثانيا: ان الاقتصادات القادرة على الاستمرار والتكيف والتنامي عي الاقتصادات الصناعية الانتاجية التي تعظم مدخلات العلم والتكنولوجيا والمعرفة في انتاجها لكافة القطاعات السلعية والخدمية والمعلوماتية.
ثالثاً: ان مناطق مختلفة من العالم ومنها المنطقة العربية بكاملها معرّضة لعواصف التغيرات المناخية والتي قد ترافقها أوبئة غير معروفة تشمل الانسان والنبات والحيوان الأمر الذي يتطلب برنامجاً وطنياً للدولة يضمن بنسبة مقبولة من الاكتفاء الذاتي وخاصة في البحث العلمي التطبيقي و في الغذاء والدواء.
رابعاً: ان على الدولة ان تضع من خلال الخبراء برنامجاً وطنياً لتصنيع الاقتصاد الوطني والانتقال المبرمج خلال عشر سنوات من الاقتصادات الريعية إلى الاقتصاد الانتاجي التكنولوجي بما في ذلك الزراعة والمياه والطاقة و النقل. ان تجربة دول شرق آسيا وخاصة ماليزيا وتايوان وسنغافورة وكوريا تصلح اي منها مع التعديل لمختلف الدول العربية.
خامسا: لا يجوز للدولة ان تنسحب من العمل الاقتصادي او ان تركز على الجانب المالي فقط، بل عليها أن تقيم علاقة شراكة حقيقية وليست شكلية أو تزيينية مع القطاع الخاص سواء في اعماله القائمة أو الأعمال المستقبلية والنماذج في اليابان وماليزيا مفيدة للغاية.
سادساً: نظراً لاتساع مساحات الفقر والجوع وتآكل الطبقة الوسطى وهي رافعة النهوض الاقتصادي الاجتماعي الثقافي فإن على الدولة ان تتوسع في تشجيع الجمعيات التعاونية وصناديق الادخار والاستثمار و الوقفيات الدائمة لتكون هذه شركاء في انشاء المشاريع الجديدة، وخاصة في الارياف والأطراف كل ذلك على طريق الاقتصاد الاجتماعي.
سابعاً: وضع سقوف عليا معلنة لمجموع الرواتب والمكافآت والبدلات والتقاعدات التي يتحصل عليها الموظف العمومي اثناء عمله او تقاعده بحيث لا يتجاوز السقف خمسة عشر أمثال متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي. وتحويل الفروق إلى صناديق استثمارية تهتم بإنشاء مشاريع انتاجية في الارياف او المناطق الفقيرة.
ثامناً: وضع برنامج مدته 5 سنوات لتقليص النفقات الحكومة بنسبة 5% سنوياً وتقليص الجهاز الحكومي بحيث لا يتجاوز نسبة القوى العاملة مع الحكومة 20% من مجمل القوى العاملة. وتحويل الاموال المتوفرة عن هذا التقليص لتمويل برامج وطنية طويلة الامد (15 – 20 سنة) تهدف إلى ادخال تغييرات جوهرية على البيئة الطبيعية من خلال السدود والبحيرات الاصطناعية وتكنولوجيا الاستمطار وتحلية المياه بالطاقة الشمسية وتوليد المياه من الهواء وإنشاء الغابات وتشجير المناطق الجرداء.
تاسعاً: سوف يشهد العالم توسعاً كبيراً في العمل عن بعد و في إختفاء الكثير من الوظائف مما يجعل الإهتمام بالريادية لتصبح ثقافتها و مهاراتها جزء أساسيا من مناهج التعليم في مراحله المختلفة، والإهتمام بالرياديين و المبدعين ضرورة حتمية لتوسع الهيكل الإقتصادي و مواجهة البطالة و الخروج من الدولة الريعية. ،وهذا يعطي فرصا جديدة للصناعات المنزلية أو الفردية القائمة أو التي سوف تستحدث. وعليه لابد من انشاء مؤسسة متخصصة على مستوى المحافظة تتولى التطوير التكنولوجي والهندسي للصناعات المنزلية و الفردية كما تتولى تسويق هذه المنتجات على المستوى الوطني والدولي.
عاشراً: وضع قائمة تصاعدية بالمستوردات تمهيداً للبدء في إنتاج السلع والخدمات الأقل تعقيداً والتصاعد التدريجي في التصنيع حتى الوصول إلى مستوى مقبول من الاعتماد الذاتي.
حادي عشر: تخفيض فروق الفائدة بين الايداع والاقتراض لما لا يزيد عن 3.5% وإنشاء “بنك للتنمية الصناعية” وآخر “للتنمية والمكننة الزراعية” وتقديم القروض الميسّرة للمشاريع الصغرورة و الصغيرة و المتوسطة والشركات الناشئة.
ثاني عشر: وضع برنامج من خلال الخبراء لتكون الصناعات والمشاريع الكبرى القائمة قاطرة لمشاريع انتاجية جديدة تغطي احتياجاتها من “الصناعات القبلية والبعدية” والمتفرقة وتكون الدولة شريكاً في الصناعات الكبيرة الجديدة.
ثالث عشر: تصحيح الاخطاء التي وقعت في برامج الخصخصة من خلال استعادة ملكيتها لشركات مساهمة عامة وطنية.
رابع عشر: إنشاء المجلس الوطني “للمسؤولية المجتمعية للمؤسسات” يكون اعضاؤه من الشركات التي يزيد رأسمالها عن 2.5 مليون دولار اضافة إلى ممثلين متطوعين من الحكومة والخبراء يتولى المجلس توجيه مخصصات المسؤولية المجتمعية للشركات لإقامة المشاريع الأكثر ضرورة واستعجالاً ويكون الهدف هو احداث تأثير تراكمي لهذه المخصصات بدلاً من ان تنفق دون برمجة مما يجعل أثرها الاجتماعي الاقتصادي ضئيلاً للغاية.
خامس عشر: انشاء مجلس اقتصادي في كل محافظة يتشارك فيه القطاع الخاص والرسمي والجامعات الموجودة في المحافظة يتولى دراسة امكانات المحافظة ووضع خطط وبرامج اقتصادية لها.
سادس عشر: وضع مدونة سلوك لمجالس إدارة الشركات والمؤسسات المستقلة
سابع عشر: اصدار قوانين تنص على تغليظ عقوبة الرشوة والفساد القبلي والبعدي والنقدي والعيني بما في ذلك التوظيف اللاحق وتغليظ عقوبة التهرب الضريبي وتجارة ونقل وترويج المخدرات لتكون عدة اضعاف من العقوبات الحالية كحد ادنى.
ثامن عشر: اصدار “وثيقة المصالحة والعودة” يتم فيها اتاحة الفرصة للملاحقين بقضايا افساد أو مطالبون بها للإسراع بتسديد 75% من الأموال المطالبين بها أو التي اختلسوها خلال مدة 6 اشهر مقابل التوقف عن ملاحقتهم وإسقاط القضايا وبدء صفحة جديدة.
وفي فضاء التصنيع لابد من التأكيد أن لا تقدم ولا نهوض اقتصادي حقيقي ولا مواجهة للبطالة ولا اعمار للأطراف والأرياف دون مشاركة المرأة في العمل الإقتصادي الحديث و وضع يرنامج وطني لرفع نسبة مساهمة المرأة في قوى العمل إلى ضعف مستواها الحالي بحلول عام 2030 .إن دخول البلاد في برنامج تصنيع شامل يقوم على التكنولوجيا المتقدمة التي أدخلتها الثورة الصناعية الرابعة مثل الروبوطية والأوتوماتيكية والذكاء الاصطناعي من شأنه أن يشجع انخراط المرأة في كافة الأعمال التي تتطلب المبادرة و الريادية و الإبداع. هذا بطبيعة الحال دون اهمال الصناعات الاساسية التي يرتكز عليها أي برنامج للتصنيع. ولعل تجربة سنغافورة وايرلندا يمكن الاستفادة منها بشكل موسع. أن الأعداد الكبيرة نسبياً للمتعلمين من الشباب و الفتيات يتيح الفرصة لاستثمار رأس المال البشري في التصنيع واهتمام الأجيال الصاعدة بالبرمجيات والحاسوبيات يتيح الفرصة لدخول التكنولوجيا المتقدمة وفق برنامج وطني في هذا الاتجاه. وهذا يتطلب اعادة النظر في علاقة الجامعات بالصناعة (بالمفهوم الشامل) في قطاعاتها المختلفة وإعادة النظر في برامج التعليم والتدريب والتأهيل ليتحول التدريب من التدريب المهني (بالمفهوم البسيط) إلى التدريب والتأهيل التكنولوجي. إذ ليس هناك اليوم من مهنة أو من عمل منتج أو قطاع اقتصادي في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات إلا ونجد للتكنولوجيا دوراً كبيراً فيها.
إن ابحاث الاكاديميين في الجامعات ومراكز الابحاث ينبغي أن تتحول من البحوث النظرية إلى البحوث التجريبية والتطبيقية كما فعلت دول شرق آسيا، وأن تتحول غاياتها من نشر البحوث لغايات الترقية إلى حل المشكلات التي تواجهها القطاعات المختلفة وتواجهها الدولة بكاملها. يشمل ذلك المساهمة في تطوير الصناعات وتعزيز مدخلات العلم والتكنولوجيا في الانتاج وحل المشكلات التي تواجه الصناعات والزراعة والمساهمة في رقع الانتاجية ويكفي ان نذكر هنا ان متوسط الانتاجية في العالم العربي سواء في الصناعة أو الزراعة متواضعة تماماً. فالقيمة المضافة للزراعة تصل في مصر 5371 دولار/عامل سنوياً مقابل 18000 في ماليزيا و46326 في ألمانيا و 91547 في الكيان الصهيوني. ويعود هذا التباين الكبير إلى مدى استخدام التكنولوجيا المتقدمة في الزراعة. ان التصنيع والتكنولوجيا المتقدمة هي السبيل الوحيد لزيادة قيمة الانتاج سواء في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات اياً كانت.
8-
وفي فضاء التعليم والثقافة، لا بد من التحوّل نحو العقل العلمي والتوجه المستقبلي والتعليم الذاتي والتفكير المتفاعل الناقد والإبداع في كل اتجاه والارتقاء بالثقافة التي ترتفع بالمجتمع ولا تهبط إلى ادنى مستوياته والفنون وتذوق الجمال إضافة إلى القيم الوطنية والإنسانية. وهذه بمجملها تشكل منظومة القوة الناعمة للمجتمع والعمود الفقري للرأسمال البشري الذي اصبح عماد التقدم. إن نتاجات التعليم والتربية المطلوبة للنهوض تتمثل في بناء العقل القادر على حل المشكلات وتأصيل العقلية الرقمية باعتبارها مدخل المستقبل والتفهم الواضح للقضايا المعاصرة ذات العلاقة. كما ان بناء الشخصية الوطنية والإنسانية تتطلب المراجعة لتتحول إلى شخصية متفاعلة تحب الإنتاج والريادة وصنع الأشياء والقادرة على المساهمة والمغامرة الاستكشاف والحريصة على انتمائها الوطني من منظور الابداع في المساهمة في بناء الوطن والقيم الانسانية. إن المعلم في المدرسة والأستاذ في الجامعة بحاجة إلى تدريب جديد في هذا الاتجاه والتدريب على اتقان التعليم عن بعد والتعليم المدمج. وتبقى مسألة اساسية تتمثل في القراءة والإطلاع والمتابعة بعيداً عن السطحية والقفز على النقاط البارزة .وهذه تتطلب تأصيل القراءة منذ الطفولة وتحسين اقتصاديات الكتاب والمادة العلمية المنشورة حتى تصبح ضمن الامكانات الاقتصادية للمواطن.إن تدريس الفلسفة و إعطاء الأهمية و الوقت الكافي للفنون و الرياضة و المغامرة و الإستكشاف و الريادية و صناعة الأشياء في التعليم الساسي و العالي يمثل البوابة الحقيقية لغيير عقل الشباب نحو التعلم و لتفكير و الإبداع. كل ذلك من خلال بيئة تعليمية تفاعلية و صديقة و معلمون و أساتذة يتطلعون إلى المستقبل بكل مستجداته لا إلى الماضي بكل أحداثه و صفحاته.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock