أفكار ومواقف

العناوين الخاطئة والنتائج المخيبة

سامح المحاريق

تعتبر مشكلة الفساد إحدى الظواهر التي تحولت إلى هاجس كبير في العالم خلال العقود الأخيرة، وأقرب ما يمكن أن يوصف به الفساد هو المتلازمة، فهو ليس مرضاً محدداً، ولكنه وجود خلل يدفع للعديد من الأمراض وجوانب القصور، ومعظم المتلازمات غير قابلة للعلاج جذرياً، كل ما يمكن فعله هو التعامل مع آثارها السلبية على أكثر من جبهة.

لنعترف أن الفساد ليس له تعريف واضح، يمكن الفصل بين مفهوم التزوير والتزييف، أو التضليل أو التدليس، كلها مصطلحات قانونية يمكن الوقوف على معطياتها بصورة كاملة، ويمكن تحديد الفوارق الهشة بين الهدية والرشوة، ولكن الفساد أمر مختلف، فمثلاً يعتبر تجنب مواجهة مشكلة ما لعدم تحمل المسؤولية أو ببساطة لتجنب النقد فساداً لأن نتيجته هي تفاقم المشكلة، ومع ذلك لا يمكن تصنيفه وفق الأدوات المتاحة كذلك، أما الاستثناء الذي يمكن أن يقدم حلولاً للمشكلة ولا يتوافق مع التعليمات والصلاحيات السائدة، فيمكن اعتباره فساداً بينما هو في الحقيقة أمر يستحق التكريم أحياناً.

الحرب على الفساد في الأردن تطاول وحشاً غير واضح المعالم، وتتحول إلى حرب بين البيروقراطية المتمسكة بالنصوص واللوائح، وبين القيادات التي تتطلع لإحداث تغيير جذري، وفي وسط فوضى الصراع التقليدي، فإنه يتم خلط مفاهيم التقييم الإداري بالأمور الجزائية، ويصبح من السهل توجيه الاتهامات بالفساد على أساس الشبهات، وفي أجواء تفتقر للشفافية يتحول ذلك إلى عرقلة وإعاقة لأي اجتهادات نحتاجها في عالم لا ينتظر أحداً.

هذه الأجواء تبدو غير مشجعة بالنسبة للصف الثاني من القيادات الإدارية في الوزارات والمؤسسات، أي العمق الحقيقي للدولة، فحين توصف أي دولة بالعميقة فذلك لا يتعلق إلا بطبقة من التنفيذيين الذين يستطيعون ترجمة التوجهات العامة للدولة في صورة مكتسبات عملية يتلمسها المواطن، وبدلاً من توجيه الحرب على الفساد في الاتجاه الصحيح، والذي يحتاج إلى خبرات نوعية وكفاءات استثنائية تمتلك مدخلاً عقلانياً متجرداً وموضوعياً ومعاصراً لطبيعة الأعمال وتطورها، فإن هذه الحرب تتحول لتضرب العمود الفقري للدولة من خلال محاصرة فئات واسعة من أصحاب القرارات ذات الأثر التنفيذي في مخاوفهم، فما الذي سيدفع فلاناً ليغامر بسمعته، أو يضع نفسه في خانة الشبهات.

علينا أن نعترف بأن هذه الحرب الضروس هي استنزاف مجاني، وساحة للمزاودات والمناكفات، وحجة جاهزة من أجل الاسترخاء أمام التحديات وترجمة مؤسفة لمقولة من يعمل كثيراً يمكن أن يرتكب الكثير من الأخطاء ويلحق به العقاب، أما من لا يعمل فلن يلحقه الخطأ، وبالتالي ربما تتم مكافأته، لأنه شخص يمشي على المسطرة ولأنه لن يورط الآخرين، وإذا كان الجميع لا يريد الاقتراب من الهوامش أو المطبات فمن سيتمكن من اجتياز الطريق من أجل تحقيق التنمية والتطوير ومواجهة تحديات الإصلاح الإداري.

من يمكنه أن ينقذ مستثمراً من تعنت جهات الترخيص، ولماذا سيفضل المستثمر الأردن على دولة يمكن أن ينهي فيها جميع معاملاته من خلال العلاقة مع شخص واحد، وخطوط مفتوحة لتسوية أي مشكلة أو خلاف، يمكن المجادلة بأن شيئاً مثل هذا سيحدث في الأردن، ولكنه لن يعمل بفعالية لأنه سيدخل في حلقة الحرب بشبهات الفساد التي لن تنتهي من غير خلق وعي جديد بالمساءلة من جهة، والشفافية من جهة أخرى، وغير ذلك سنبقى في حرب مع ما لا نعرفه تحديداً ولا نمتلك له إطاراً ولكننا نخافه لدرجة إعاقتنا عن التقدم.

المقال السابق للكاتب

الجبهة الداخلية ومقاربة الأسئلة الكبرى

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock