ضيوف الغد

العنصرية المتحضرة

عبدالرحيم الزعبي

ثمة نوعان من أنواع العنصرية، النوع الأول هو «العنصرية بصورتها الهمجية»، وهو نوع قد تجاوزته السلطة في أميركا وبشكل متدرج، أما النوع الثاني فهو «العنصرية بصورتها المتحضرة»، وهو نوع أسست له السلطة وأنضجته بشكل متدرج أيضا، أي أنها لا تنوي تجاوزه أصلا.
في النوع الأول نسمع أحدهم يصرخ قائلا «اغرب عن وجهي أيها الزنجي الحقير»، ونجد من يمنع السود من الركوب في الدرجة الأولى على متن الطائرة أو القطار، رغم أنه يحمل تذكرتها!! ونجد مدارس مخصصة لأبناء السود!! ومطاعم لا تستقبل السود!! وأخرى تخصص لهم طاولات أقل شأنا في أحقر زوايا المطعم!!
خلال مرحلة التحول التدريجي والتي أسس لها نضال الحريات المدنية في سبعينيات القرن الماضي تمكن السود وغيرهم من الفئات المهمشة من إحراز تقدم ملموس، فلم تعد هناك مدارس مخصصة للسود، ولم يعد من حق المطاعم ألا تستقبلهم. أما الفضاء العام فقد أصبح يستوعب الجميع بلا تمييز، وصار من المثير للاشمئزاز أن يهين أبيض أسود بكلمة أو نظرة، بل إن من حق الأسود ساعتئذ أن يقاضيه.
وصار بإمكان الأسود أيضا أن يتدرج في المناصب العامة ليصل أعلاها، فهناك قضاة سود حكمهم نافذ على البيض وغيرهم بلا تمييز، وهناك ضباط سود يتقلدون أعلى الرتب العسكرية، وتزدان بدلاتهم بالأوسمة والنياشين، ونراهم يأمرون وينهون بكتائب من العسكر البيض والسود على حد سواء، ونرى العسكر جميعا بيضا وسودا مضطرين لأداء التحية لهم هكذا «يس سير»، وهناك أطباء ومحامون وأساتذة جامعيون وتربويون يشغلون أعلى المناصب!! وهناك سياسي أسود ترشح للرئاسة وفاز بها لدورتين انتخابيتين (باراك أوباما).
لعل ذلك ما يتغنى به كل من زار تلك البلاد أو عاش فيها حينا من الزمن، ولعل ذلك من الفضائل التي توضع في ميزان مدنية الغرب المعاصرة، ولا ينكرها إلا جاحد أو أحمق أو متحامق.
لكن هناك وجها آخر قبيحا للمدنية ذاتها، وكلا الوجهين معا يكونان ما سميته «العنصرية بصورتها المتحضرة»، ولو أخذ أحدنا جولة في أحياء السود لأمكنه التعرف على الوجه الآخر لتلك المدنية، فالسود مع الأسف يسكنون أحياء حقيرة قذرة ويعيشون في ظروف اقتصادية صعبة. في ظل هذه الأحوال المتردية تكون تربة الأحلام غير خصبة بما يكفي لإنبات الكثير من النماذج التي تكلمنا عنها آنفا، ولو قارناها مع ظروف البيض وأحوالهم لوجدنا الفرق شاسعا، هكذا يصبح «الحلم الأسود» في أحسن أحواله أن تكون لاعب كرة سلة محترفا مثلا، أو مطربا تافها يسهم في انحراف بني جلدته (فيفتي سينت وسنوب دوج نموذجان)، أو زعيم عصابة سطو مسلح أو تاجر مخدرات.
وبعبارة أدق فإن السلطة تمارس عنصرية الإهمال والتهميش وعدم تكافؤ الفرص، فتكون النتيجة مجتمعا أسود تنخفض فيه نسبة المتعلمين وترتفع فيه نسبة الجريمة، بعد ذلك تأخذ الثقافة الشعبوية مجراها بين الناس فما هو نتيجة يصبح سببا وما هو سبب يصبح نتيجة، فتصبح أحوالهم المتردية ناتجة عن طبيعتهم «الفطرية» الميالة إلى التخلف والجريمة، بدلا من أن تكون سياسات التهميش والإهمال مسؤولة عن سيرورة مجتمعاتهم نحو التخلف والجريمة!!
أما النماذج المحترمة التي ذكرناها أعلاه (قاض/ رتبة عسكرية/ أكاديمي)، فالوضع الطبيعي أن ينشدوا الخلاص الفردي لأنفسهم ويعيشوا حياتهم المحترمة بعيدا عن ضوضاء بني جلدتهم، وبذلك تتحد طرائق حياتهم وتفكيرهم مع طرائق حياة وتفكير البعيدين عن البيئات السوداء الصرفة، والأنكى من ذلك أن ارتقاءهم في بعض المناصب العامة مرتهن بولائهم لتلك السياسات الحقيرة، أي أن مصالحهم متحدة مع مصالح السلطة.
هكذا تحكم العنصرية بصورتها المتحضرة قبضتها، فالأسود المُجدّ المُجتهدّ لا يحمل قضية بني جلدته بل يصبح أداة بيد السلطة لإدامة تقهقرهم أو تبريره على الأقل، ناهيك عن كونه شاهدا حيا على تحضر السلطة وعدم عنصريتها، أما الأسود الذي يسلك دروب الإجرام فهو حجة صامتة للسلطة على السود تثبت لهم أنهم همج رعاع وليس من حقهم الشكوى أو التذمر أو «التنفس»، فلا يجد السود فرصة للتنفيس أو «التنفس» إلا عند وقوع حادثة تمارس فيها «العنصرية بصورتها الهمجية» كحادثة مقتل «جورج فلويد».

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock