رياضة عربية وعالمية

العنصرية مشكلة بتوجب القضاء عليها في الملاعب الألمانية

 


   بيروت- يوم تولى البرازيلي جواو هافيلانج رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” عام 1974، اطلق شعاره الشهير “كرة القدم لغة عالمية”. وبعد وصول سلفه السويسري جوزيف بلاتر الى سدة الرئاسة اضفى معنى جديدا على هذا الشعار، عندما اعتبر “كرة القدم اداة للسلام”، مشددا على ضرورة الاعتماد على هذه المبادىء للنهوض باللعبة وابعادها عن جميع الآفات المسيئة، بصفتها المرآة التي تعكس الوجه الحضاري للشعوب والبلدان الممارسة لها.


الا ان ملاعب كرة القدم العالمية شهدت حوادث مؤسفة في الاعوام القريبة الماضية، تسببت في تعطيل المباريات واثارت استياء عالميا واسع النطاق، وانعكست بشكل او بآخر على سمعة اللعبة الشعبية الأولى في العالم. ومن هذه الحوادث اعمال العنف والشغب داخل الملاعب وخارجها، التي اضافت نقطة سوداء جديدة وضعت في خانة سلبيات اللعبة، مثل الفساد الذي استشرى لدى بعض الاتحادات والمسؤولين الى سوء التحكيم والرشاوى.


وتمثلت الظاهرة الجديدة الموسم الماضي بموجة العنصرية التي اجتاحت عددا لا بأس به من الملاعب العالمية وخصوصا الاوروبية منها، كاشفة عن الوجه الآخر للعبة الذي يتسم بالبشاعة المطلقة.


وانتشر داء العنصرية بانتظام بين ملاعب ايطاليا وانجلترا واسبانيا وغيرها من بلدان القارة العجوز ناقلا المعركة العالمية من صراع الحضارات الى صراع الاعراق، لتطبع بعض المباريات بصورة مشابهة عبر تصرفات الجماهير واللاعبين الملونين الذين ارادوا الثورة على الواقع مهددين بمغادرة الملعب.


وربما كانت الحادثة الاكثر رسوخا في الاذهان احتفال الكاميروني صامويل ايتو لاعب برشلونة الاسباني بهدف في مرمى ريال سرقسطة مقلدا حركات القرد، وذلك ردا على هتافات جمهور الفريق المضيف الذي شرع في تقليد اصوات القرود كلما لمس ايتو الكرة في المباراة حيث القيت عليه حبات فول سوداني بعدما سجل هدفه. وقال وقتذاك المهاجم الذي اختير احسن لاعب في افريقيا في العامين الماضيين: “رقصت مثل قرد لانهم عاملوني كقرد”.


ووسط التفسيرات والاجتهادات التي اعادت اسباب ارخاء شبح العنصرية بظلاله على ملاعب اوروبا الى التعصب اللا محدود والاندفاع العاطفي اللا مدروس من قبل المشجعين تجاه ناديهم المفضل او فريقهم الوطني، ما دفعهم الى اطلاق هتافات ضد اللاعبين ذوي البشرة السمراء او الملونين بصفة عامة، بقيت المانيا خالية من اي حوادث تفرقة مشابهة على الاقل في دوري الدرجة الاولى الذي يتابعه الملايين في كل اسبوع.


وانسحب الامر عينه على مونديال المانيا 2006 الذي اظهر فيه الالمان للعالم فكرة مغايرة تماما عن ماضيهم المعروف بأحداث التفرقة العنصرية خلال حقبة الحكم النازي، واتفق منظمو الحدث ان المكسب الحقيقي كان اظهار الوجه المشرق لألمانيا بأفكارها الحديثة، وجاء المردود ابعد من الارباح الاقتصادية التي تكسبها عادة البلدان المضيفة للتظاهرات الرياضية.


الا ان الامور اتخذت منحى مغايرا في الفترة الاخيرة، بعدما ضربت آفة العنصرية بعض الملاعب الالمانية في الدرجات المختلفة، ما اثار زوبعة من الادانات من جانب القيمين والضحايا على حد سواء الذين اعتبروا ان تصرفات من هذا النوع ستدمر لا محالة الصورة الطيبة التي نقلتها المانيا الى العالم طوال شهر كامل في الصيف الماضي.


وجاء التصريح الاعنف على لسان الدولي الالماني جيرالد اسامواه الذي وصف مطلقي العبارات المسيئة ضده بـ”الاغبياء والمتخلفين الذين لم يتطوروا مع مرور الزمن”، وذلك بعدما عانى الغاني الاصل الذي اضحى عام 2001 اول لاعب اسمر يرتدي قميص المنتخب الالماني، هتافات عنصرية اثناء خوضه مباراة في كأس المانيا مع فريقه شالكه امام هانزا روستوك (للهواة).


ولم يتردد الاتحاد الالماني لكرة القدم في تغريم روستوك الواقعة في القسم الشرقي من المانيا حيث فاز مؤخرا الحزب الديمقراطي (يميني متطرف) بعدد لا بأس به من المقاعد في البرلمان الالماني، وهي المسألة التي ربطتها وسائل الاعلام الالمانية بحوادث عنصرية في المدينة المذكورة. كما اقام الاتحاد الالماني حظرا على مشجعين بحرمانهما من حضور مباريات الدرجات الثلاث في السنوات الثلاث المقبلة.


وانزل المسؤولون في الاتحاد الالماني عقوبات مالية بحق ناديي اليمانيا آخن وبروسيا مونشنغلادباخ اثر مواجهة عنصرية بين جماهيرهما في المباراة التي اقيمت على ارض الاول حيث تعرض مهاجم مونشنغلادباخ البرازيلي كاهيه الى مضايقات عنصرية، جاء الرد عليها من قبل جمهور الضيوف الذي كال هجمات مماثلة تجاه مدافع آخن الزامبي موزس سيشون الذي يشارك اليوم في حملة دعائية متلفزة ضد العنصرية في ملاعب “البوندسليغا”، علما انه لشدة احتدام الموقف هدد حكم المباراة ميكايل فينر علنا بين الشوطين بإيقافها في حال واصلت الجماهير تصرفاتها المسيئة.


وبدت تهديدات رئيس الاتحاد الالماني تيو زفانزيغر بحسم نقاط من رصيد النوادي المخالفة او اجبارها على اللعب امام مدرجات خالية، كافية لخلط الاوراق وزعزعة اسس البطولات في المانيا. الا ان هذا الامر لم يكن خطرا بقدر التهديدات غير المسبوقة لأسامواه نفسه الذي لم يستبعد اعتزاله اللعب دوليا في حال استمر الاضطهاد العنصري ضده وانتقل الى مباريات “المانشافت” التي لم تشهد احداثا مماثلة حتى الآن.


ويبدو جليا للمرة الاولى ان القضية يمكن ان تؤثر فنيا على الكرة الالمانية، وخصوصا بعد تخوف الاتحاد المحلي من ان ينسحب الامر على اللاعبين السمر الذين ولدوا في المانيا ويمثلون منتخباتها المختلفة في الوقت الحاضر، امثال دافيد اودونكور وباتريك اوفومويلا وناندو رافايل وكيفن برينس بواتنغ وسيدريك ماكيادي، وهؤلاء ينظر اليهم باهتمام بالغ لتشكيل عماد “المانشافت” في المستقبل القريب.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock