;
أفكار ومواقف

العنف: الأمم المتحدة تذكرنا

من وجهتي نظر عربيتين متباينتين تماماً، تظل مفاجئة تصريحات مبعوث الأمم المتحدة للسلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، في 13 تموز (يوليو) الحالي. إذ اعتبر في مقابلة مع وكالة الأنباء “رويترز”، أنه “من دون حل الدولتين (فلسطينية إلى جانب إسرائيل) سيواجه الشرق الأوسط عنفا أبديا”.
إذ على جانب، يمكن المجادلة بأنه يمثل وجهة نظر الأغلبية العربية، تبدو تصريحات ملادينوف مفاجئة من كونها تعود إلى التأكيد على بدهية مفروغ منها؛ فالاحتلال بكل ما يعنيه من انتهاك لحقوق الإنسان الخاضع له، لا بد وأن يؤدي حتماً إلى عنف متواصل، وإن تراجع أو خبا في فترات.
أما على الجانب الآخر، عربياً أيضاً، فإن إقامة هذه العلاقة المباشرة بين الاحتلال (وجرائمه التلقائية الحاطّة حتماً من إنسانية البشر، كما الاستبداد) والعنف، تبدو مفاجئة بدورها، بل وتصل مرتبة الصاعقة، لأنها ببساطة تذكير بما لا يجب الحديث عنه اليوم. فالعنف والإرهاب لدى هذه الفئة من العرب، ورغم ما قالوه وما مارسوه خلال عقود مضت، هما منتج ثقافي فحسب، سببه الإسلاميون وحدهم على اختلافهم؛ فيما ليس لامتهان كرامة البشر أي دور في ذلك.
والمفارقة تبدو في أن هذا الفريق الذي يبرئ إسرائيل، بشكل غير مباشر على الأقل، هو ذاته الذي برر وما يزال كل جريمة بحق الشعوب العربية على يد أنظمتها باسم فلسطين و”المقاومة والممانعة”! إذ مع انعدام المعايير الأخلاقية والإنسانية، فإنه كما كان ضرورياً تبرير الاستبداد والفساد باعتبارهما الطريق الوحيدة إلى “محو إسرائيل عن الخريطة”، فقد صار اليوم التغاضي عن جرائم إسرائيل الطريق الوحيدة الممكنة للدفاع عن الاستبداد والفساد ذاتهما.
فوق ذلك، فإن قبول مبدأ/ حقيقة أن “الاحتلال يولّد العنف”، سيضع “الممانعين المقاومين” في “حرج”. إذ لن يملكوا إلا أن يميزوا بين “احتلال سيئ” و”احتلال جيد”! وهم يفعلون ذلك فعلاً. إذ صحيح -من وجهة نظر هؤلاء، وبينهم قوميون عروبيون جداً- أن الاحتلال الإسرائيلي “سيئ”، لكن “الاحتلال الإيراني” في المقابل جيد وجميل، بل وحتى مطلوب! وإن قام كلا الاحتلالين على القتل والتهجير والإحلال الديمغرافي!
وقبل ذلك ليس مهماً أبداً ما هو رأي السوريين والعراقيين، وحتى إن اجتاحت مدن الجنوب العراقي خصوصاً، التي يلتقي أغلب سكانها بالمذهب مع إيران، تظاهرات ضد الهيمنة الإيرانية والفساد الذي يرعاه نظام الولي الفقيه على مستوى البلاد ككل، والذي أحال حياة الناس من كل طائفة ومذهب إلى جحيم، بحيث لا تتوفر حتى الخدمات الأساسية من قبيل الكهرباء، مثلاً، في واحد من أكبر بلدان العالم على صعيد المخزونات النفطية.
بعد كل ذلك، يبدو ضرورياً تجميع أجزاء الصورة: الإرهاب العربي مشكلة ثقافية فحسب؛ وهناك “احتلال سيئ” مقابل “احتلال جيد”، بما يعني التمييز بين “عبء الرجل الأبيض” المرفوض، و”عبء نظام الولي الفقيه” المرغوب. والنتيجة الواضحة، أن القائلين بذلك -المدعين عداء الإمبريالية- يعادلون فعلاً دور المستشرقين في زمن مضى، عرفوا بذلك وأقروا، أم لا وهذا هو الأسوأ!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock