أفكار ومواقف

العنف النيابي: سياق معهود وأرشيف زاخر

زيد نوايسة

ما حدث يوم الثلاثاء الماضي 28/12/2021، في مجلس النواب ليس خارجا عن المعتاد ولكنه بالتأكيد الأكثر حدة وغرابة، وإذا كان أرشيف مجلس النواب يذكرنا بعشرات حالات العنف اللفظي والجسدي بما فيها إطلاق العيارات النارية؛ فإن ما جرى مؤخراً تفوق على كل ما سبقه، للدرجة التي شعرنا فيها جميعا بحالة من الذهول ونحن نتابع شتائم وفوضى ولكمات ومصارعة حرة على الهواء مباشرة دون أن نعرف من يختلف مع من.

هذه الحادثة هي ثاني أخطر حادثة يمر بها المجلس التاسع عشر؛ تذكرون حادثة مفردة «الطز» التي أدخلتنا في ازمة استمرت أكثر من اسبوع وكادت أن تقودنا لمأزق كبير نحن بغنى عنه؛ وما جرى الثلاثاء من تشنج وتعنت، كان بإمكان الحكمة التي تركت جانباً للأسف من أطراف الاشتباك جميعاً أن تجنبنا تداعيات ما حدث؛ سوء التقدير والعنف وفائض الاستعلاء والزهو كان حاضراً في الحالتين للأسف.

إذا كانت البدايات في مناقشة التعديلات التي ستشكل الأساس الدستوري لعملية التحديث والتحول السياسي والسير في مناقشة قانوني الانتخاب والأحزاب قد نالت كل هذا الخلاف والغضب والمناكفة فكيف سيكون الحال عند المناقشة الفعلية للقانونين؛ خاصة وأن ثمة إحساس يصل لدرجة اليقين لدى شريحة كبير من النواب انهم سينجزون قوانين تحد من مكتسباتهم، وتشعرهم بأنهم يسرعون برحيلهم في حال إقرارها، مع التذكير هنا أن لا احد يضمن بكل صراحة الا يتحول مارثون مناقشة مشروع قانون الموازنة لصدام ليس بين النواب انفسهم بل قد يمتد لازمة أكبر واشتباك مباشر مع الحكومة طالما أن لا أحد يريد أن يحتكم للغة الحوار والقانون.

هناك واقع نلمسه جميعاً؛ الجو العام مشحون وهو آخذ في الاتساع والناس لم تعتد تحتمل أن تستمع لبعضها، وهذا بالضرورة ينسحب على النواب الذي يعانون من ضغوط يومية من قواعدهم سواء من خلال عدم تمكنهم من الاستجابة للمطالب المتعلقة بالخدمات العامة أو الخاصة في قضايا التوظيف لأن الحكومات عاجزة بفعل الظروف الاقتصادية عن الاستجابة، وبالتالي لا خيار امامهم الا مسايرة الخطاب الرافض والشعبوي الذي تتمظهر اشكاله عنفاً واحتجاجاً داخل البرلمان وهو غير مكلف وبنفس الوقت يستجيب للمزاج الشعبي الغاضب والمحبط والخاضع لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

مخطئ وواهم من كان يعتقد أو ما يزال أن صيغ العمل النيابي الفردي التي لم نغادرها منذ العام 1989 ستقدم منتجا برلمانيا أفضل مما شاهدناه قبل أيام، وإذا لم تتغير ادواتنا فنحن نسير على ذات السكة؛ وتبدو اليوم الأولوية مضاعفة في العمل على انجاز قانون الانتخاب وقانون الأحزاب دون إبطاء والشروع في تحول حقيقي ينقل العمل البرلماني من دائرة الشتائم والعنف اللفظي والجسدي الى مرحلة تتسابق فيها الأحزاب والكتل البرلمانية على انجاز البرامج التي حملتهم للبرلمان والقادرة على معالجة هموم الناس والانتماء الصادق لقضاياهم.

من الأسف القول إن أصحاب السعادة نجحوا بوضع الأردن على قائمة العناوين الرئيسة للفضائيات العربية والدولية ولكن بصورة سلبية؛ يتحمل فيها الجميع دون استثناء المسؤولية التي تتفاوت بين من أراد أن يأزم الموقف بشكل مبيت ومن لم يُحسن أن يغلب الحكمة وأن يحتكم لأعراف العمل البرلماني والنظام الداخلي ويتجنب تفجير الموقف بالحالة التي ظهر فيها المجلس والذي ما كان ينقص صورته المهزوزة أصلاً هزة جديدة بهذه الصورة التي جعلته مثار تندر واستهزاء.

المقال السابق للكاتب

عن المزاج العام وقلق الرؤساء السابقين

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock