أفكار ومواقف

العنف والرأي العام.. ما الذي تغيّر بين زمنين؟

مجرد صدفة، لكن قد تكون خيرا من ألف ميعاد، أن يذكرنّي “فيسبوك” أمس بمقال نشر لي بهذه الزاوية قبل خمس سنوات (18/ 8/ 2014)، حول انتشار حوادث عنف وجريمة بالمجتمع تلك الفترة، وقد أخذت يومها -كما هو الحال اليوم- مساحة واسعة في النقاش والاهتمام العام عبر مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام.
المقال أشار يومها إلى “إصابة ثلاثة أشخاص بإطلاق نار من قبل مخمورين في ضاحية الرشيد، أول من أمس؛ أو إرداء سائق بالرصاص من قبل سائق آخر على دوار المدينة الرياضية قبل أيام، لمجرد تزاحمهما بالسيارات؛ أو قتل جار لاثنين من جيرانه على خلفية “طوشة أولاد”!..وغيرها”.
اليوم ينفجر النقاش العام والجدل من أوسع أبوابه أيضا بعد انتشار سلسلة الفيديوهات والتسجيلات لجرائم وحالات عنف، كان أبطالها رواد نواد ليلية وأصحاب أسبقيات و”عالم سفلي”، وتم أخذ القضية لمساحات ومطارح تبدو غريبة وغير مفهومة، عندما قيد النقاش العام إلى أن هذه المشكلة، النوادي الليلية وما يدور بكواليسها من عنف وجريمة وسلوكيات لا أخلاقية، هي أُسُّ البلاء في البلاد والمشكلة التي لا قبلها ولا بعدها والسبب لكل مصائبنا.
الدفع لتصدر هذه المشكلة رأس قضايانا استوجب طبعا البحث عن أكباش فداء يمكن تحميلهم المسؤولية، فطالت السهام “عن جنب وطرف” الأمن والشرطة والحكومة ومسؤولين سابقين وحاليين، ولم يتردد البعض بتحميل المسؤولية للتيار الليبرالي والعلماني ودعاة الدولة المدنية وسيادة القانون، وكأن هؤلاء لا يتورعون عن تأييد العنف المجتمعي والبلطجة والجريمة والانحلال! وأن الحل هو باستئصال شأفتهم وربما العودة للأحكام العرفية لحماية قيم المجتمع المحافظ!
البعض اكتفى بالقشور والأسباب المباشرة لحوادث العنف المسجلة، فذهب للمطالبة بإغلاق النوادي الليلية والتشديد على تجارة الجنس والبلطجة والتصدي لأصحاب النفوذ خلفهم، وهي بلا شك مطالب محقة ويتفق عليها الجميع، متدينون ومحافظون وعلمانيون وليبراليون، لحفظ السلم المجتمعي والأمن العام، لكن المشكلة هي أن النقاش حول القضية ذهب إلى منحنيات أخرى، بعد أن تم تصوير هذه الحوادث المقدمة بالمؤثرات والإبهارات الصوتية والمرئية كاكتشاف مفاجئ للمصدر الحصري للعنف والجريمة وتفكك المجتمع!
أرفض الإغراق بنظرية المؤامرة وما أوصلتنا إليه من غياب اليقين والثقة بكل شيء وتخريب منهج الحوار والنقاش العام، لكنّني هنا قد لا استبعدها، بمعنى أن ثمة من يريد أن يوجه اهتمامنا كرأي عام لبعض القشور لظاهرة العنف وتفشيه، وربما تصفية حسابات هنا وهناك. هنا تحضرني رائعة روبرت دي نيرو وداستن هوفمان بفيلمهما العميق “Wag the dog”، وترجمته بالعربية “ذيل الكلب”، الذي يتناول قضية تواطؤ السياسة والإعلام بحرف اهتمام الرأي العام عن قضية حقيقية رئيسية لأخرى مفبركة ومصنوعة بتقنيات هوليودية، وتتقن فن التعامل مع عقلية “القطيع”!
ليس شرطا أن يكون هناك سياسي أو جهة ما تحاول أن تسوق الرأي العام لهذه المساحة أو تلك، فالرأي العام قد يغرق نفسه – أحيانا- بذلك لا شعوريا، على قاعدة “أنا من غزيّة إذا غزت”، وهذه باتت لها نظريات بعلم الاجتماع والسياسة ليس هنا مكان تناولها.
الراهن؛ أن العنف والجريمة والعالم السفلي ظواهر سلبية لكنها موجودة بكل المجتمعات، وثمة مقاربات أمنية وقانونية وتربوية لمواجهتها، قد تخفق وقد تصيب لكنها قابلة دائما للتطوير والتحسين. المشكلة هنا إذا ما تم حصر الأزمة المجتمعية بعنف النوادي الليلية وتقزيم اهتمام الرأي العام إليها، وتجاهل المعين الأساسي لانتشار العنف والجريمة وحالة الاغتراب والتفكك والتشظي المجتمعي، وهو المتمثل بالأزمات المعيشية والاقتصادية الخانقة، وغياب الثقة والأمل بالسياسي وبقدرته على مواجهة الفساد وفرض سيادة القانون، والفشل حتى الآن بتقديم مشروع وطني عام ينتشلنا من الأزمة المركبة التي نعيشها!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock