ترجمات

العودة إلى التعددية

نيويورك ــ سلطت جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19) الضوء على نقاط الضعف الحادة التي تعيب عالمنا الشديد الترابط. لا تستطيع أي دولة، بصرف النظر عن حجمها أو ثرواتها أو تطورها التكنولوجي، أن تتصدى لهذه الأزمة بمفردها.
بسبب الجائحة، تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر في ظل ظروف استثنائية، بمشاركة رؤساء الدول عن طريق “الواقع الافتراضي” (عبر الإنترنت)، بدلا من السفر إلى مدينة نيويورك. ويجب أن تخدم الطبيعة الفريدة لاجتماع هذا العام كتذكرة لنا بأن الطريقة الوحيدة للتغلب على تهديد كوفيد 19 تتلخص في التعاون الدولي، والشفافية، والالتزام بالقواعد والضوابط التنظيمية المشتركة.
إنها لمفارقة مريرة أن تتزامن الجائحة مع الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتأسيس منظمة الأمم المتحدة. وُلِـدَت الأمم المتحدة من أنقاض الحرب العالمية الثانية ــ كارثة من صنع الإنسان بالكامل ــ وقد جَـسَّـدَ هذا المنتدى الدولي الأول في العالم تصميم قادة ما بعد الحرب على ضرورة تجنيب أجيال المستقبل ذلك النوع الذي شهدوه من المعاناة.
في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من المناطق التي مزقتها الصراعات، تظل الأمم المتحدة ومبادئها في التعاون المتعدد الأطراف مؤسسة لا غنى عنها لإيجاد حلول طويلة الأجل ومستدامة تضمن السلام والاستقرار والرخاء. وتشكل مبادئ القانون الدولي حجر الأساس لنظامنا العالمي، وتوفر إطارا حاسما للدفاع عن الحقوق وممارسة السلطة في مواجهة التحديات العالمية.
بوسعنا أن نرى هذا بوضوح في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي دام لفترة تقرب من عمر الأمم المتحدة ذاتها. يتمثل الحل الأفضل لهذا الصراع في إقامة دولتين ــ إسرائيل وفلسطين ــ لشعبين، استنادا إلى حدود ما قبل 1967 المعترف بها دوليا وبما يتفق مع قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 2334، بين قرارات أخرى.
كانت إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل ودولتين خليجيتين، الإمارات العربية المتحدة والبحرين، من التطورات السياسية المهمة التي أرجو أن تساعد في التغلب على عقود من القطيعة وانعدام الثقة. لكني ما زلت أعتقد أن الطريقة الوحيدة لتحقيق “التطبيع” الحقيقي بين إسرائيل والعالم العربي تتمثل في تحرك جميع الأطراف نحو حل الدولتين الدائم الذي يوفر السلام والعدالة والكرامة والأمن للفلسطينيين والإسرائيليين على حد السواء. ولا ينبغي أبدا مقايضة حقوق الناس غير القابلة للتصرف بواسطة آخرين.
في العام 1945، كان كثيرون يأملون أن يكون العالم تعلم أخيرا من دورس حربين عالميتين كارثيتين. على حد تعبير ميثاق الأمم المتحدة، جرى إنشاء الهيئة “لإنقاذ الأجيال التالية من ويلات الحرب”، واتباع مسارات سلمية وشاملة نحو الازدهار العالمي والديمقراطية. لكن شبكة المعاهدات والمؤسسات التي أنشئت حول الأمم المتحدة منذ ذلك الحين كانت بعيدة عن الكمال. ومع ذلك، دعمت الأمم المتحدة بشكل حاسم مساعي تحقيق السلام، والأمن، وحقوق الإنسان، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية في مختلف أنحاء العالم لأكثر من سبعة عقود من الزمن.
لتسليط الضوء على هذا التراث، أصدرت مؤخرا منظمة الحكماء ــ مجموعة من القادة العالميين المستقلين أسسها نيلسون مانديلا، والتي أتشرف بشغل منصب نائب رئيسها ــ تقريرا حول الدفاع عن التعددية. في هذا التقرير، أصدرنا خمس دعوات للعمل موجهة إلى قادة اليوم:
• العودة إلى الالتزام بقيم ميثاق الأمم المتحدة؛
• تمكين الأمم المتحدة من ممارسة تفويضها بالعمل الجماعي في ما يتصل بشؤون السلام والأمن؛
• تعزيز الأنظمة الصحية للتصدي لجائحة كوفيد-19 والاستعداد للجوائح المماثلة في المستقبل؛
• إظهار قدر أكبر من الطموح بشأن تغير المناخ لتلبية أهداف اتفاقية باريس؛
• حشد الدعم لجميع أهداف التنمية المستدامة.
يتعين على جميع الدول أن تدرك أن الطريقة الوحيدة لتحقيق هذه الأهداف هي من خلال التعددية الفعّالة، التي تصب في مصلحة الجميع في نهاية المطاف. في كثير من الأحيان كان فشل الأمم المتحدة في تحقيق أهدافها المعلنة راجعا إلى عدم وفاء الدول الأعضاء ــ وخاصة، ولكن ليس بشكل حصري، الدول الأعضاء الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين) ــ بمسؤولياتها. عندما تضع الدول مصالحها الوطنية الضيقة فوق الأولويات المشتركة، يخسر الجميع.
في تموز (يوليو) الماضي، رحبت بكل تأكيد بتبني مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم 2532، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار على مستوى العالم لتجنب المزيد من الكوارث الإنسانية في سياق الجائحة. وقد دعمت بقوة أيضا هذه المبادرة عندما اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس لأول مرة في آذار (مارس). ومع ذلك، خاب رجائي لرؤية كل هذه الأشهر القيمة تُـهـدَر في مجادلات حول تفاصيل النص.
أرسلت الخلافات حول دلالات الألفاظ في مواجهة صراعات دموية وجائحة غير مسبوقة إشارات مروعة إلى الجمهور العالمي. وإلى جانب الآثار الصحية المباشرة، ستكون التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الأزمة طويلة الأمد وشديدة، وستخلق تأثيرات موجية تشعر بها العديد من الأجزاء الهشة والمتضررة بالصراعات في العالم لبعض الوقت في المستقبل. لم يكن هذا هو الوقت المناسب لممارسة الدبلوماسية الصارمة.
منذ ذلك الحين، حَـذَّرَ برنامج الغذاء العالمي من أننا ربما نتجه نحو أسوأ أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث من المحتمل أن يموت ما يصل إلى 600 ألف طفل بسبب المجاعة وسوء التغذية في البلدان المتضررة بشدة مثل اليمن، والصومال، ونيجيريا، وجنوب السودان.
تُـعَـد أزمة كوفيد 19 تذكرة قاتمة بروابطنا البشرية المشتركة ونقاط ضعفنا. وإذا فشلنا في الاستجابة للجائحة وغيرها من التهديدات المشتركة بحس متجدد بالتضامن والعمل الجماعي، فإننا بهذا نهين ضحايا الفيروس ونخون الآمال التي حملها لنا الجيل المؤسس للأمم المتحدة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali
بان كي مون، نائب رئيس منظمة الحكماء، شغل سابقا منصب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة ومنصب وزير خارجية كوريا الجنوبية.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2020.
www.project-syndicate.org

انتخابات 2020
15 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock