;
ترجمات

الغارة على مارالاغو قد تزعزع أسس أميركا

تقرير خاص – (الإيكونوميست)* 10/8/2022
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كان من المتوقع مسبقاً أن يترشح دونالد ترامب لولاية ثانية كرئيس لأميركا. ويبدو أنه أصبح متأكداً من أنه سيفعل ذلك الآن، بعد مداهمة مكتب التحقيقات الفيدرالي.

تخيل لو أن المداهمة أسفرت عن العثور على أدلة على ارتكابه جريمة، وأن ذلك أدى إلى توجيه الاتهام إليه. لا شيء في تاريخ الرئيس السابق يوحي بأنه كان ليقوم، من منطلق بعض الحس باللياقة، ناهيك عن الخجل، بإيقاف حملته الانتخابية.

* *
“يوم آخر في الجنة”، هكذا علق دونالد ترامب بمرح بعد أن داهم عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي منزله في فلوريدا كجزء من تحقيق جنائي.

ولا يوجد سبب لافتراض أنه كان ساخرًا. فقد استحضرت الغارة جنة عدن ترامبية حقيقية: انصبَّت أنظار الأمة عليه مرة أخرى؛ واحتشد المشرعون الجمهوريون الذين كانوا يبتعدون عنه خلفه، وكذلك فعل المنافسون المحتملون على ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة الأميركية.

ودعا بعض أنصاره مرة أخرى عبر الإنترنت إلى خوض حرب أهلية للدفاع عن بطلهم.

وبالإضافة إلى ذلك، استطاع السيد ترامب أن يقدم نفسه في الضوء الذين يفضله؛ كضحية لقوى حزبية ظلامية خرجت لتحمي المؤسسة من خلال جره هو إلى أسفل.

ترامب والنظام العالمي: حاضر عند التدمير؟

وبعد عمله على تسميم مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل لسنوات، لم يكن قد هيأ المؤمنين الأساسيين به فقط، وإنما ربما نصف البلاد أيضاً للاشتباه بأن سيادة القانون تتعرض للتقويض، وليس الاحترام.

لهذه الأسباب وأكثر، كانت هذه الغارة كابوساً لأميركا. وكان ميريك غارلاند، المدعي العام، يتوقع ذلك. وهو مدع عام وقاض سابق مجتهد – شديد المثابرة للغاية بالنسبة للعديد من الديمقراطيين الذين، كما يدعي الجمهوريون، يتوقون بشدة إلى رؤية السيد ترامب وهو يُحاكم.

وإذا كان السيد غارلاند قد اتخذ القرار بنفسه للمضي قدمًا في المداهمة، كما يبدو مرجحًا، فلا بد أنه خلص إلى أن الاعتبارات القانونية لم تترك له أي خيار.

ولكن، إذا كان الأمر كذلك، فإن تصميم وزارة العدل على إبقاء الأمور نزيهة وصادقة سيكون في مصلحة رجل لا يوجد شيء صحيح وصادق بشأنه.

وفي الحقيقة، يمتلك السيد ترامب قدرة على تشويه الواقع كبيرة لدرجة أن تطبيق القانون ضده قد يساعد فعلياً في تدمير الجمهورية.

وبعد أن قاوم وصمد بعد محاولاته سرقة الانتخابات، ربما يكون النظام القضائي الأميركي الآن عُرضة لهجوم شرس.

ثمة القليل من الحقائق الثمينة بشأن هذا التحقيق يمكن الاعتماد عليها؛ ويأتي الكثير مما هو معروف من السيد ترامب نفسه.

وسيكون محتوى هذا المقال تخمينيًا، وربما يكون الأمر مقلقاً لهذا السبب بالضبط.

ومع ذلك، ربما يكون التكهن بمدى السوء الذي يمكن أن تذهب إليه الأمور عملاً مسؤولاً أكثر من كونه عبثياً.

ولطالما اخترق السيد ترامب نفسه مرارًا وتكرارًا حدود الخيال السياسي الأميركي.

كان من المتوقع مسبقاً أن يترشح السيد ترامب لولاية ثانية كرئيس. ويبدو أنه أصبح متأكداً من أنه سيفعل ذلك الآن.

تخيل لو أن المداهمة أسفرت عن العثور على أدلة على ارتكابه جريمة، وأن ذلك أدى إلى توجيه الاتهام إليه. لا شيء في تاريخ الرئيس السابق يوحي بأنه سيقوم، من منطلق بعض الحس باللياقة، ناهيك عن الخجل، بإيقاف حملته الانتخابية.

بدلاً من ذلك، كان ذلك سيعطيه سبباً أكبر لإثارة عدم الثقة، وحتى الكراهية، تجاه النظام القانوني الأميركي، فضلاً عن إدارة الرئيس جو بايدن.

وحتى لو تم إجراء محاكمة سريعة وصدور إدانة، لم يكونا ليمنعا ترشح ترامب أكثر من الشروع في المزيد من جولات التقاضي. فالدستور، الذي يحدد مؤهلات تولي منصب الرئيس، لا يتطرق إلى مسألة السجل الجنائي.

وإليكم هذا السيناريو الافتراضي، وإنما ليس بعيد المنال: تواجه أميركا احتمال فوز مرشح مدان أو يواجه احتمال الإدانة في انتخابات رئاسية أثناء حملته الانتخابية التي يخوضها ضد حكم القانون.

أو ربما ما هو أسوأ، خسارة تلك الانتخابات. إنك لا تحتاج إلى الاعتماد على الكثير من التكهن لتصور ما سيبدو عليه الأمر.

مع ذلك، ربما تسفر الغارة عن الحصول على مثل هذه الأدلة الدامغة، حتى أن المشرعين الجمهوريين أنفسهم الذين يهددون بالتحقيق مع السيد غارلاند سيتبرأون من ترامب أخيرًا.

أو ربما يكون لواحد من خطوط التحقيق العديدة الأخرى في أفعال السيد ترامب، أو وزنها التراكمي، مثل هذا التأثير. ويخض سلوك السيد ترامب للتحقيق في جورجيا ونيويورك.

ويبدو أن المداهمة كانت نابعة من تحقيق في كيفية تعامله مع المعلومات السرية؛ وتجري وزارة العدل تحقيقًا منفصلاً في إخفاقه المتمثل في محاولة التشبث بالمنصب.

ولكن، لا تحبسنَّ أنفاسك. من غير المرجح أن يتخلى المشرعون الذين زحفوا عائدين إلى ترامب بعد تمرد السادس من كانون الثاني (يناير) من العام الماضي عنه بسبب جريمة مثل سرقة وثائق سرية وأخذها معه، لا سيما بالنظر إلى السلطة الهائلة التي يتمتع بها الرئيس في رفع السرية عن المعلومات.

وقد أظهر ترامب، الذي درس تحت إشراف المحامي الماكر روي كوهن، كم يمكنه أن يكون زلِقاً.

وقد شهد مايكل كوهين، وهو محام سابق آخر لترامب، أمام الكونغرس بأن ترامب تصرف “مثل رجل عصابات”، من خلال عدم إصداره أي أوامر مباشرة ربما تورطه، وإنما كان يتحدث “بالشيفرة”.

ويبدو أن الرئيس الذي كانت لديه البصيرة لمنع مصور البيت الأبيض من التواجد معه في السادس من كانون الثاني (يناير)، ولم يترك أي أثر للمكالمات الهاتفية في ذلك اليوم، من غير المرجح أن يكون قد ترك أدلة تجرمه ملقاة هنا وهناك في مارالاغو.

بالنسبة لرجل متحمس إلى هذا الحد في السعي وراء خدمة مصلحته الذاتية، ستكون هذه زلة مذهلة.

السيد ترامب يتناول العشاء في الخارج

في إحدى الأمسيات الدافئة في العام 1999، خرج دونالد ترامب من مطعم شهير، سيلفياز، في مالكوم إكس بوليفارد في هارلم.

وانتشر الخبر عن أن مطور العقارات الشهير كان يأكل هناك، وتجمع حشد كبير متحمس لتحيته.

واحتفل به طوال المساء نجوم تلفزيون، وممولون ولاعبون السابقون. كانت المخاطر تبدو أقل في ذلك الوقت، قبل هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وبدا تفاخره وأكاذيبه مضحكة، بل ساحرة إلى حد الفظاعة.

بينما سار ليكسينغتون، الذي كان في تلك الأيام كاتبًا في مطبوعة أخرى، خلف السيد ترامب في الحشد وفي اتجاه سيارته الليموزين، طرح عليه السؤال الذي كان يدور في ذهنه طوال الأمسية: ما هو الشيء الذي لدى السيد ترامب والذي جذب الناس إليه على هذا النحو؟

“لا أفكر في ذلك …” هتف ترامب من فوق كتفه مع ابتسامة. “مهما كان ذلك، فإنه كذلك”.

والآن، بعد كل هذه السنوات، الجواب واضح.

إن السلطة هي حاجة السيد ترامب الخاصة اليائسة؛ نرجسيته الطاغية. وقد أصبحت هذه الآن أقوى قوة في الحياة العامة لأميركا؛ الثقب الأسود في مركز سياساتها.

وقد طغت على مبادئ الحزب الجمهوري، وأفسدت توازن الحزب الديمقراطي، ومزقت سمعة رجال ونساء كانوا يحظون بالاحترام.

وهي تمزق المؤسسات الحاكمة في أميركا. وقد تكون غارة مكتب التحقيقات الفيدرالي على مارالاغو ضرورية لخدمة العدالة.

وقد تكون المحاكمة ضرورية في نهاية المطاف أيضًا.

ويكمن الأمل في أن يكون لسيادة القانون ما يكفي من الوزن لتبقى على قيد الحياة وتنجو من هذا الصراع.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The raid on Mar-a-Lago could shake America’s foundations: It has already given Donald Trump a boost

 اقرا أيضا في ترجمات:

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (1 – 3)

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (2 – 3)

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (3-3)

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock