السلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحقيقات

“الغد” ترافق “صائدي الكنوز” وترصد مزاعمهم (فيديو)

"الغد" ترافق "صائدي الكنوز" وترصد مزاعم "فك طلاسم" الرصد

تحقيق: إيهاب القيسي

عمان – أربع سنوات، قضاها الشاب الثلاثيني علي بحثا عن حلم الثراء، غاص في عوالم الترحال والاغتراب الداخلي من الشرق إلى الغرب، حتى تعالت ادعاءاته بقدراته الروحانية، بالعثورعلى الدفائن وفك رصد “النفط الأصفر”.
في كل رحلة كان يقضيها المواطن علي (اسم مستعار) في جبال وصحراء الأردن هائما على وجهه يلهث وراء وهم الثراء وفك رموز أسرار الذهب المدفون في باطن الأرض، لينتهي به المطاف باحتضان جرة فارغة في مغاور خاوية لا تسمع فيها سوى صدى صوته وأجهزة يدوية بدائية كان ينقب بواسطتها.
مع كل خيبة أمل، يتهاوى جزء من حلم علي بالثراء والحياة المترفة، ويبدأ بعدها رحلة جديدة غير مصدق بأنه يسعى وراء خيط دخان، حصيلته “لاشيء”، وتاركا بعد كل خيبة حبوب مضادات الاكتئاب، وما يرافق أوهامه من عزلة عن أسرته التي عادت معه إلى دائرة الفقر والمرض والحرمان.
“الغد” غاصت برفقه “نابشين”عن الذهب في جولات شملت أربع محافظات: عمان، إربد، المفرق، ومادبا، وكشفت عن بواطن عالم الرصد المخفي وادعاءات بعض “صائدي الكنوز، الذين يتاجرون بأحلام الناس”.
جاء ذلك، بعد أن قدمت “الغد” ضمانات لهؤلاء بعدم الكشف عن أسمائهم الحقيقية لحماية أنفسهم والسماح لهم بالحديث بكل حرية.
الدفين والمنظور
تقول أساطير منتشرة في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص الأردن وفلسطين ومصر والعراق، وجود مخلوقات من “الجان تحرس الكنوز حتى يأتي من يتفاهم معهم ويغادر بجرار الذهب بسلام”.
تحت ستار الظلام، يبدأ “النبيشة” بمعاينة أولية للمكان وتحديد قياسات ودلالات “الدفنة”، لتحديد أدوات الحفر، اللازمة من قبل “قائد” عملية الرصد، وهؤلاء ممن لديهم الخبرة بقراءة النقوش وتحليلها ومعرفة نوعية التربة وحجم اتساع الحفرة وتحصينها من الرصد و”الجان”، حسب ادعاءاتهم.
غالبا، تنتشر الدفائن التركية (العثمانية) على جوانب خط سكة الحديد امتدادا من الشمال وصولا إلى المفرق، كما تعتبر منطقة الجسور العشرة أكثرها كثافة بسبب طول المدة الزمنية أثناء تشييد الصروح فيها.
أما مواقع انتشار الدفائن الرومانية، فتوجد داخل الآثار الرومانية المنتشرة في وسط البلد وجرش ومناطق أخرى في شمال المملكة، في حين أن الدفائن اليونانية أو ما يطلق عليها بـ”اليهودية”، فإن رصدها “بشكل واسع” خصوصا في محافظتي إربد والمفرق، حسب ما وثقته “الغد” بالصوت والصورة.
على مدار أيام وأسابيع، بعد أن رافق معد التحقيق، الخمسيني أبو احمد الذي جال ما يزيد على 20 عاما في محافظات المملكة، تتبع معاملات الدفائن ودلالاتها وبخاصة العثمانية واليونانية، حيث أظهرت بعض الدلالات والعلامات للتفريق بين نوع “الدفين وملكيته”.
ويشرح أبو أحمد لـ”الغد” الفروقات بين “الدفين والمنظور”، حيث إن “الدفين” الروماني يستدل عليه بالمباني المشيدة والـ”المجسمات، وأشكال الحيوانات مثل السلحفاة والأفعى”، إلا أن الرابط الأكبر يجمع بين اليوناني، وما يعرف بـ”اليهودي” من حيث العلامات المحاطة بـ”الدفين” أبرزها “الهلال بإطار”.
وبما أن “الدفين” هو مغاور أو قبور، فإن النوع الثاني (المنظور)، يكون في مدينة داخل جبل مغلقة بالطلاسم، حسب قول أبو احمد مشيرا إلى أن “الرصد واللجم نوع من أنواع السحر يرتبط بالدفين التركي بحجمه الكبير”.
كما يستخدم في عملية الرصد، سحر وشعوذة، وغالباً ما تغلق في باب وهمي أو مطاطي، حيث تختلف طرق فتحه أو فكه، ومن هذه الطرق إيهام ضحايا الذهب، بـ”وجود فانوس على جانب الباب توضع به بيضة لفتحه، أو بفك الطلاسم والسحر عنه” حسبما أضاف .
فنّد أبو أحمد مزاعم ارتباط السحر مع “الدفين” التركي لكونه “دفين إسلامي” حيث لا تدفن الكنوز في القبور.
وحسب مزاعم أبو أحمد، فإن الدفائن الأخرى (اليونانية أو ما يطلق عليه باليهودية) ترصد عن طريق الحيوانات، ويحدث ذلك من خلال توكيل “جان” بحماية المال، والذي يقدم إنذارات مسبقة للمنقّبين عبر أصوات أو حشرات أو “هبو” نار يتصاعد من المكان قبل الخروج لهم أو أذيتهم.
وفيما يخص الدفائن اليونانية، فإنه يُذبح حيوان مع “الدفين”، ويغلق بإحكام محدثا بعد مرور عقود انبعاث غاز سام يقتل مستنشقه وستظل “لعنته ” تلاحق كل من تجرأ وفتح “الدفين”، وفق ما يشاع بين المنقبين عن الذهب.
وبحسب الروايات المزعومة، فإن لكل قفل معلق بالدفينة مفتاحا، إلا أن كثرة المدعين بمعرفة عوالم الرصد وقلة الخبرة والإسراف بالجهل، خلط المفاتيح لتغلق الأقفال جميعها، ما سبب انتشار “نبيشة” الدفائن وادعاءات بعض الأشخاص الذين وصفهم أبو احمد بـ”الملبوسين” أو “المارقين”، حسب ما رصد معد التحقيق من خلال مقابلاته مع “النبيشة”.
أما البعض الآخر من “صائدي الكنوز” فيختبئون خلف ستار “الروحانية”. ويعلنون أمام الجميع في الموقع المحدد للنبش أسماء “الجان” وكيفية استحضاره، لينكشف لاحقا أن معلوماتهم جاءت من خلال مطالعتهم لكتب تباع في الأسواق أو تتوافر عبر الإنترنت.
“كنا نسمع قصصا محدودة عن الحفيرة؛ بس هالأيام شكلو كل سكان الأردن بتدور على ذهب”، هكذا وصف أبو أحمد المدعين بقدرتهم “التنقيب عن الدفائن”، مستغربا من اندفاع الناس للبحث عن الدفائن والنبش في رفات الحضارات الغابرة بشكل عشوائي، بعيدا عن عيون أجهزة الرقابة.
“الجني” المنقب عن الذهب
لمزيد من التقصي على أرض الواقع وفك طلاسم الدفائن، اتفق معد التحقيق مع أحد المتخفين تحت ستار الدين، بأن لديه قدرات من شأنها الكشف عن الذهب وقراءة دلالات “الدفين وفك الرصد”.
بدأت الجولة بزيارة إلى محافظة مأدبا مع فريق مكون من شخص يدعي “الكاشف وحفير مساعد”، إذ جاءت هذه الزيارة بعد جولة استكشافية مسبقة للمكان وتحديد مكان “الدفين” والزمن المستغرق لإتمام عملية استخراج “الكنوز”.
وبعد انسدال الظلام وتحت ضوء القمر، بدأت طقوس رصد الذهب وتحصين المكان، حيث طلب المدعي (يطلق علية الشيخ) من مالك الأرض “جالون “ماء وكيس ملح وخلطهما جيدا ثم باشر بسكبه حول المكان المحيط بالحفر، وكان خلال ذلك يرتل آيات قرانية على زجاجة ماء طالبا من الموجودين أخذ جرعات منها لأغراض التحصين.
إلا أن هدوء المكان تلاشى على وقع ضجيج “ماتور” توليد كهرباء استخدم لتشغيل ماكينة الحفر ومصباح إنارة، وانبثقت أجواء الحماسة وأطلق العنان لأفكار الثراء التي أغوت نفوس البشر بجرار من الذهب .
3 ساعات متواصلة من الحفر منذ أن تم تحدد موقع “الدفين”، غير أن الدهشة والحماسة تلاشت مع أدراج الرياح عندما لم يجدوا في الحفرة أي دفائن ولا حتى علبا حديدية صدئة.
وتحجج “الشيخ” آنذاك بأن شيئا ما ضربه في جهته اليمنى، فطلب من الحاضرين الإخلاء الفوري للمكان دون إبداء الأسباب.
ووسط إصرار الجميع على عدم العودة إلى عمان بأياد خاوية، انصاع المدعي ذاته “الشيخ” لطلبهم أن يدخلوا إلى مغارة مجاورة لمكان الحفر “الخالي من الدفائن”، فما تزال فكرة الكنوز المدفونة في الأرض تسيطر على عقولهم.
هرول الجميع إلى المغارة رغم أن جدرانها معبقة برائحة الرطوبة السامة، كان ارتفاعها منخفضا حتى اضطر الفريق للزحف على بطونهم واحدا تلو الآخر، وكانت الحشرات مختلفة الأحجام تتطاير بشكل هائل حولهم ولمسوا عظاما في المغارة قد تكون نبشت من متسللين سابقين إلى المكان خلسة، ليسيطر الخوف وخيبة الأمل على المكان والأفراد.
ورغم فشل الفريق في محاولاته للبحث عن الذهب غير أن قصص “الجان” الذي يتمثل أمام الشيخ على هيئة طفل صغير، أو عبر إشارة يفترض أن يتركها “الجن” على حجر ليبدأ طقوس الحفر الدقيق ما هي إلا أسطورة “علي بابا والجان”، إلا أن إغراء “النفط الأصفر” يسيطر على عقول كثيرين.
مزاعم الدفائن تنعش سوقا سوداء للذهب
“الكل قال إن الأرض فيها مال. بس قد ما اجا شيوخ وكشيفه وسمعنا حكي طلعت نفسنا من الأرض”، هكذا عبر معتز (اسم مستعار) عن معاناته مع عدد من “الدجالين والكشيفة والنبيشة” على موقع يعتقدون وجود ذهب في أرضه.
وأضاف معتز لـ”الغد”: “اشي طلب منا بخور لبان، واللي بيجي وبنكشفه انه جاهل، الكشيفة والروحانيين صاروا اكثر من الحفيرة، وضلينا ع هالحال لحد ما قررنا نتركها وبدناش وجعة الراس”.
وبالرجوع إلى أحكام القانون المدني، فإن المادة (1078) منه تنص على أن الكنوز والمعادن وغيرها التي يعثر عليها في أرض مملوكة لشخص معين تكون مملوكة له وعليه الخمس للدولة. كما تنص على أن الكنوز والمعادن التي تكتشف في أرض مملوكة للدولة تكون مملوكة لها كلها أما إن كانت الأرض موقوفة وقفاً صحيحاً فإن ما يكتشف يكون لجهة الوقف.
هوس الثروة أيصا، دفع رامي (اسم مستعار) لدفع مبلغ 17 ألف دينار ثمناً لعلبة مسك صناعة أردنية سعرها في السوق الأردني 8 دنانير، مدعياً المحتال أن العلبة هي من المسك الحر الأصلي ويحتاجها في عملية “سحب الذهب من مكانه”، وهي عبارة عن خدعة بصرية، يتبعها الدجال بحجة بعد مسافة “الدفين” وقوة الرصد عليه، ليقنع الضحايا بذلك بأن هذه الطريقة أكثر فاعلية وأسرع في الإنجاز .
ورغم صعوبة إدخال أجهزة كشف المعادن إلى المملكة، فإنها تتوفر بين المنقبين بطريقة غير قانونية (تهريب)، وهي عبارة عن “أسياخ النحاس” (قضيبين من النحاس على شكل حرف(L ، ومقبضين يمسك بهما في اليد على توازي ويتحرك حاملهما في الأرض ولا يتقاطعان إلا عند الكشف عن ذهب أو معدن أو حجر مشع، بحسب قول خالد (اسم مستعار) لمنقب عن الذهب.
ورغم محاولات عديده يفشل خلالها “النبيشة”، إلا أنه أحيانا يتم ايجاد ذهب بكميات بين فترة وأخرى من شأنها ان تنعش سوقا سوداء لـ”الذهب”.
“لكل فوّال طريقته”، ولذلك يلجأ أغلب صائدي الذهب “النبيشة” إلى بيع موجوداتهم بتكتم شديد عبر علاقاتهم الشخصية، وأحيانا يتكفل بها “الشيخ”، والذي بدوره يحدد كيفية تصريف الكنوز، إن وجدت. وبالغالب تباع إلى صائغي ذهب يصهرونها ويعيدون سكبها بأختام مرخصة، وقد يباع الكيلوغرام الواحد من الذهب بنصف قيمته الفعلية بالسوق، حسب مزاعم نبيشة.
وتعتبر قطع الذهب التركية (الرشادية) الأسهل بيعا في السوق السوداء، إذ تصل سعرها إلى نحو 200 دينار للقطعة الواحدة.
ويرى صاحب مشغل ذهب معروف في وسط الذهب (أبو فراس)، أن كميات الذهب المهرب أو المستخرج الواردة إلى السوق لا تؤثر على الأسعار محليا، كون أغلب التجار يرفضون التعامل مع “النبيشة”، حتى لا يتعرضوا إلى المساءلة القانونية .
وأكد أبو فراس لـ”الغد” أن مشاغل الذهب لا تتعامل مع الأشخاص “النبيشة” بشكل مباشر وإنما تكون عملية البيع والشراء ضمن إطار العلاقات الشخصية فقط.
الشرع يفند مزاعم الرصد
أكد الباحث في شؤون الديانات الدكتور عامر الحافي لـ”الغد” أن لا علاقة للجان برصد الذهب وبعلم الآثار، مشددا على أنها “محض خرافات بغرض الاحتيال”.
وقال الحافي إنها “ثقافة مغلوطة وطمع في الثراء السريع، بحيث يلجأ الأغلبية إلى سلوك طريقة (النبيشة) واستغلال جهل الناس والاحتيال عليهم”، مضيفا “يمكن لأي شخص أن يدعي أن لديه قدرة لتسخير الجن لخدمته، وما هي إلا مزاعم لأشخاص يخفون تحتها خطط النصب والاحتيال باسم الدين”.
ومن الناحية القانونية تشير المادة (14) من قانون الآثار رقم (21) لسنة 1988 وتعديلاته، إلى أنه يحظر على أي شخص طبيعي أو معنوي القيام بأية حفريات في المواقع الأثرية بحثا عن الدفائن الذهبية أو أي دفائن أخرى.
كما أشارت المادة (27) من القانون ذاته، إلى أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهرين ولا تزيد على سنتين أو بغرامة لا تقل عن 500 دينار، وبما يتناسب مع قيمة الأثر كل من اكتشف أوعثر على آثار صدفة أو علم باكتشافه أوالعثور عليه ولم يبلغ وفقا لأحكام القانون”.
ويتضح من خلال النصوص السابقة أن قانون الآثار قد جاء واضحا من حيث اعتبار جميع الدفائن والكنوز الأثرية الموجودة في أرض المملكة حقا للدولة، كما رتب القانون على من يجدها (ولو بمحض الصدفة) التزاما مؤداه أن يسلم هذه الآثار، ويبلغ السلطات المختصة، وعند مخالفة هذه الأحكام يترتب على ذلك إنزال العقوبة اللازمة في حق المخالفين.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock