أفكار ومواقف

“الغور الشرقية”.. المياه إذ تغتال الأطفال

إذا كان يصح أن يُطلق على الطريق الصحراوي، الرابط ما بين عمان ومحافظات الجنوب، بـ «طريق الموت»، فإنه بلا شك نستطيع القول بأن قناة الغور الشرقية، أو ما تُعرف بقناة الملك عبدالله، صائدة للأرواح، وخصوصًا الأطفال منهم، كان آخرهم ثلاثة أطفال لقوا حتفهم، يوم السبت الماضي، نأمل، كما الجميع، أن تكون آخر حوادث الغرق وألا تحصد مزيدا من الأرواح.
بعد مضي نحو 57 عامًا على إنشاء «الغور الشرقية»، لم تستطع الجهات المعنية، حتى كتابة هذه السطور، من وضع حلول جذرية لهذه القناة لوقف حصدها لأرواح أبرياء، جلهم من أبناء المنطقة، الذين يُعانون من فقر وبطالة، وصلت إلى درجات مرتفعة جدًا، ناهيك عن درجات الحرارة المرتفعة هناك، ما يدفع الكثير من البشر إلى السباحة في مواقع وبرك مائية، هربًا من حرارة الشمس الحارقة، غير مبالين بخطورة ذلك، فضلًا عن أرواح آخرين كانوا يرتادونها بقصد التنزه والترفيه عن أنفسهم.
القناة التي أنشئت العام 1963، وتمتد على أكثر من 110 كليومترات، تشهد بمعدل أسبوعي حالة غرق، يذهب ضحيتها أناس أبرياء، نسبة الأطفال منهم تتجاوز الـ70 بالمائة.. فالجميع يُجزم بأنها من أكثر المواقع المائية التي تقع فيها حوادث.. فبدلًا من أن تكون «الغور الشرقية»، نعمة على أبناء منطقة الأغوار لري مزروعاتهم، حيث يعتاش أغلبهم على الزراعة، أصبحت نقمة، بات الأهالي «يلفظونها»، وكأنها عبارة عن كابوس، يأمل الكل الاستيقاظ منه، وبأسرع وقت.
القناة، التي اصطادت نحو 115 روحًا على مدار عشرة أعوام مضت، ثلثاهم أطفال، تفتقر لوسائل حماية كافية، كالأسيجة والحراسة وكاميرات مراقبة، رغم تأكيد الجهات المعنية أنها تتخذ الاحتياطات اللازمة، من شواخص تحذيرية ووضع أسيجة، للحد من حوادث الغرق.
110 كليومترات تمتد بين المنازل، تخترق عدة بلدات من أقصى شمال المملكة وحتى الشونة الجنوبية قرب البحر الميت، كان الأصح الاهتمام بها أكثر من ذلك، ووضع وسائل حماية أكثر من غيرها من المواقع المائية.
حصد عشرات الأرواح، وحوادث غرق بالجملة، وانزلاق مركبات بقناة الملك عبدالله، يدل على أن الإجراءات المتخذة غير مجدية وغير جدية، ويدحض أيضًا رواية المعنيين بأنهم اتخذوا إجراءات حقيقية للحد من حوادث الغرق، كوضع أسيجة وشواخص تحذيرية.. ألا يكفي بعد كل ذلك، أن تتحرك الجهات المسؤولة بكل واقعية لإقرار وتنفيذ إجراءات صارمة، تُنهي معاناة أهالي المنطقة وزوارها.
لكن، يبدو أن «الإهمال» سيد الموقف، فالكثير من أبناء المنطقة وكذلك الزوار يؤكدون افتقاد تلك القناة إلى شروط السلامة اللازمة والكافية للحماية.. فحوادث الغرق تتكرر باستمرار، وباتت تُسبب أرقًا وألمًا وجروحا لا تلتئم.
ما يدعو للاستغراب، أن سلطة وادي الأردن تؤكد أنها قامت بوضع سياج في أماكن متقطعة على طول القناة، لكنها تدعي أنه «تعرض للعبث والسرقة»، وما يدعو للتعجب أيضًا أن جهات معنية تقول إن «التكلفة المرتفعة تحول دون حمايتها بشكل كامل».. أيًا كان تكفلة تأمين قناة الغور الشرقية بوسائل الحماية اللازمة، ستكون حتمًا أقل كلفة من حصد أرواح أبرياء، يذوق فيه الآباء أو الأهل مرارة فقدان عزيز.
فبدلًا من أن تكون القناة، التي تُغذي حوالي 6 آلاف مزرعة بالمياه، مصدر دعم لأرزاق أصحاب تلك المزارع، وخصوصًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، باتت وبالًا على الكثير من أهالي المنطقة وزوارها.
ما المانع من إنشاء حديقة لتكون وسيلة للترفيه لأهل المنطقة، أو مسبح آمن يمارس فيه الأهالي والزوار رياضة السباحة، ضمن تعليمات واحتياطات وإجراءات حماية لازمة لمثل ذلك؟.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock