رأي اقتصادي

الفائدة السالبة

في خطوة غير مسبوقة، قام البنك المركزي الأوروبي، يوم الخميس الماضي، بخفض سعر الفائدة على نافذة الإيداع إلى ما دون الصفر لليلة واحدة؛ تحديدا عند سالب 0.1. وهذه هي المرة الأولى التي يتخذ فيها البنك مثل هذه الخطوة منذ تأسيسه في العام 1988، ليتولى إدارة السياسة النقدية لمنطقة اليورو. كما أن هذا القرار هو الأول الذي يتخذه بنك مركزي عموماً؛ بجعل الفائدة سالبة على إيداعات البنوك التجارية.
ما يريده القائمون على “المركزي الأوروبي” من هذه الخطوة، كما أعلن رئيسه ماريو دراغي، هو تحفيز الاقتصاد، ومحاولة الإفلات من الانكماش، خاصة وأن المؤشرات التي تم الإعلان عنها تشير إلى هبوط معدل التضخم إلى نصف بالمائة، وبما يقل بنحو واحد ونصف بالمائة عن المعدل المستهدف للاتحاد الأوروبي، ويؤشر على بوادر لإمكانية الانكماش.
من ثم، قام “المركزي الأوروبي” باستخدام سعر الفائدة كواحدة من الأدوات النقدية لمعالجة هذا الاختلال، وبما يعني هنا أن البنوك التي ستقوم بإيداع أموالها لديه ستدفع له أموالاً بدلاً من تقاضي الأموال منه، ما يفرض على صانع القرار في تلك البنوك البحث عن وسيلة لتوظيف أموال المودعين لديه بدلاً من إيداعها في “المركزي الأوروبي”، الأمر الذي يسهم في زيادة الطلب ورفع معدل التضخم، وفق أهداف صانع القرار في “المركزي الأوروبي”.
بطبيعة الحال، لم يعجب القرار اتحاد المصارف الأوروبي الذي اعتبره عقاباً، وأشار إلى إمكانية حدوث انعكاسات سلبية واسعة على البنوك الأوروبية، خاصة وأنه يعاقب البنوك التي تودع لديه لليلة واحدة. كما أن اضطرار البنوك إلى توظيف الأموال قد يدفع بعض إدارات تلك البنوك إلى إقراض غير المؤهلين، والذي يعني المخاطرة بأموال المودعين. وسيرتب ذلك مسؤولية على هذه الإدارات المعنية، وليس على إدارة “المركزي الأوروبي”.
المشكلة التي تواجهها البنوك الأوروبية، وربما البنوك في معظم بلدان العالم، هي ضعف الطلب على الاقتراض. فرغم توفر السيولة، لم يعد العميل الجيد متوفراً كما كانت الحال سابقا، خصوصاً بعد ما عانته المصارف قبل وأثناء الأزمة المالية العالمية العام 2008. وقد تكبدت بعض البنوك خسائر أدت إلى زوالها، خاصة تلك التي مارست أنشطة بعيدة عن الطريقة التقليدية في الإدارة، ودفع العالم بأسره ثمناً باهظاً نتيجة المقامرات التي قامت بها البنوك الغربية على وجه التحديد.
من المعلوم أن الدينار الأردني يرتبط بالدولار الأميركي بسعر صرف ثابت. ويتجه الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي نحو تقليص التيسير الكمي من خلال تخفيض شراء السندات بمقدار 10 مليارات دولار شهرياً، وصولاً إلى إنهاء البرنامج، وبدء رفع أسعار الفائدة في العام 2015. وهذا يعني ضرورة المحافظة على هامش جيد من أسعار الفائدة على الدينار، للاحتفاظ بجاذبيته مقابل الدولار.
إذ إن ارتباط الدينار بالدولار يعني أن توجهات “الاحتياطي الفيدرالي” ستكون أكثر تأثيراً لدى صانع قرار السياسة النقدية في الأردن من تأثيرها على البنوك المركزية غير المرتبطة بالدولار. وتبدو الأوضاع الآن مريحة بالنسبة لصانع السياسة النقدية الأردني، وفقاً للمؤشرات الأساسية التي تجسدت في وصول الاحتياطات الأجنبية في الأردن إلى أعلى مستوى في تاريخها، ما قد يسمح لصانع القرار المحلي بإجراء بعض التخفيضات على أسعار الفائدة، بهدف حقن مزيد من الجرعات في مسيرة التحفيز الاقتصادي في المملكة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock