أفكار ومواقف

الفتوى مسألة علمية وليست دينية

“تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا”.. “ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله”.
المفتي يؤدي دورا علميا استشاريا مثل الطبيب أو المحامي، ويمكن أن يقدم الفتوى كل من يعلم المسألة، حتى لو كان غير مسلم. وليست الفتوى دورا دينيا أعطي لأحد من الناس، والذين يزعمون أنهم “يوقعون عن رب العالمين” يزعمون لأنفسهم دورا لم يعطه الله لهم ولا للأنبياء “وما على الرسول إلا البلاغ”. وتأثير الفتوى أو سلطتها مستمدة فقط من ثقة الناس بالمفتي، فهي صفة يمنحها الناس لمن يثقون به، ولم يمنحها الله لأحد. وأما العلم بالشيء فهو جهد بشري علمي يحصله الإنسان بالتعلم والبحث، ويتساوى في ذلك العلم بالدين أو الطب او الفلسفة أو التكنولوجيا، وتكون أهميته علمية وليست دينية أبدا، ويتحمل في النهاية كل إنسان وحده مسؤولية اعتقاده أو عمله، ويقابل الله يوم القيامة ويجادل عن نفسه وحده، ولن يفيده بشيء إن أخطأ المفتي.
وصفة العالم أو المفتي أيضا هي عملية مهنية بحتة، تحددها قواعد مؤسسية وقوانين أو أنظمة مجتمعية، كما تتحدد صفة الطبيب أو المهندس او المحامي، فهي تتم عبر شروط مؤسسية أو نقابية يثق بها الناس أو يتعاقدون على القبول بها كمرجعية تعطي شخصا ما حق ممارسة المهنة.. ولا يعقل أن يكون التوقيع عن رب العالمين (إن كان هناك عمل اسمه كذلك) تمنحه أي مؤسسة حكومية أو خاصة أو جامعة أو نقابة أو رابطة، وإن كان الله فوض شخصا ما بالتوقيع عنه (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا) فكيف نعرف بذلك؟ ليس لدى المدعي سوى تصديق الناس وثقتهم به، فهو بذلك يوقع عن الناس الذين منحوه الثقة والقبول.
ومعلوم في الإسلام أو في السلوك التديني الجمعي للمسلمين، وبخاصة أهل السنة الذين يشكلون 90% من المسلمين، أنه لا يوجد دور ديني لأحد من الناس، وأن الناس يمنحون بثقتهم أو بما يتواضعون عليه لتنظيم شؤونهم أدوارا وظيفية ومهنية لبعضهم، مثل الإمامة في الصلاة، والفتوى، وخطبة الجمعة. وفي مرحلة الدولة الحديثة صارت هذه العمليات وظيفة حكومية، وصارت تشمل مسائل تنظيمية وإدارية وقانونية مستمدة من الشريعة، مثل الزواج والطلاق والميراث، لما يترتب عليها من أوضاع قانونية وحقوق وواجبات ومسؤوليات تحتاج في عصر المدن والدول إلى تنظيم قانوني ومؤسسي.
ودرج الناس على احترام العلماء والقضاة والمعلمين والأطباء وأهل الاختصاص والثقة بهم، معتبرين أنهم من أصحاب المهن والمنزلة التي تتحصل بالمعرفة والذكاء، وأنهم يقومون بأعمال نبيلة. فالناس هم الذين منحوهم هذه المنزلة، وليست وصية من الله تخصهم.

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. نعم هي كذلك
    كلام علمي صحيح ولو التزم به من يدلوا بدلوهم في كل شيء لما خرج علينا من يقول لنا لا تصدقوا ان الارض كروية ولما خرج علينا من يقول ان القمر نور فكيف صعدوا عليه؟

  2. فتاوى تدعي الالوهية
    بالفعل ثمة سلوك في الفتوى يذكر بقوله تعالى "اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله" فقد صار الدين في نظر كثير من الناس هو ما يقوله اشخاص سواء كانوا يعلمون او لا يعلمون وليس القرآن الكريم والسنة النبوية
    صحيح ان كثيرا من العلماء قاموا بجهود علمية كبيرة وطيبة ولكنها جهود علمية وعلى ضرورتها ليست هي الدين

  3. مخيب للآمال
    أقرأ للكاتب مقالات جيدة، لكن هذا المقال صدمني، حيث فيه استخفاف بالعقول، وذلك أنه يعتبر الفتوى الشرعية أمرا علمياَ
    وليست دينية، وأن غير المسلم ممكن أن نعينه مفتياً عاما للمملكة، فهل يقبل الهندوس أو البوذيون أن ننصب عليهم مفتياً مسلماً يعلمهم أمور دينهم؟؟

  4. الفتوى في الدين
    الفتاوي في الدين فقط ولا يفتي غير من كان على علم كبير في امور الدين اولا واخيرا وهي ليست علمية بقدر ان تكون دينية.

  5. أنت أجتهدت فلم تصب…فلك أجر
    أنت اجتهدت فلم تصب.

    الفتوى في ألشريعة الأسلامية هي موضوع قانوني-فقهي متخصص (وليس علمي لأن مصطلح "علمي" له دلالات غير التي وظفتها) وهي بذلك أي الفتوى تكون عملية تشريعية (Legislative Process) وذلك بإسقاط النص القرآني وصحيح السنة على الواقع بمكان وزمان محددين وحيث الأخير يعني عصر متحرك والمام للمختص أي الفقيه المجتهد وهو خبير قانوني مختص بالشريعة الأسلامية من فئة( Doctors of the Islamic Law)أي (Jurists) على أن يكون الفقيه متمرسا ومواكبا أيضا لثقافة وعلوم عصره وان لا يتبع ويقلد فتاوى الماضي التي شُرّعت لزمان ومكان طويت صفحتهما وان يكون الفقيه المجتهد ذو نزاهة ومصدقية لا يشوبها شائب بمعنى أن يكون مستقل الرأي وان لا يكون من فقهاء السلاطين.

    بالطبع يستطيع الفقيه المجتهد أن يوظف مصادر التشريع الأخرى كالقياس (Analogy) والأجماع (Consensus) لأن الرسول (ص)قال لا تجمع امتي على خطاء-وضمن سياق الشريعة ومقاصدها النهائية لأنه حيثما وجدت مصالح العباد وُجد شرع الله (حسب ابن القيم)وضمن سياقات العصر والمكان.

    الأهم هو ان الشريعة غير منحوتة على الواح حجرية (Petrified)كالصخر بل هي مرنة ودينامكية متحركة قابلة وموائمة لكل زمان ومكان إذا أحسنااستعمال ادوات الأجتهاد كما استعملها السابقون في زمانهم وبيئتهم وحيث يتشبث المتشددون حاليا بتقليدهم لأنهم-أي المتشددون-غير قادرين على ابداع يلائم عصرنا-وحيث قال (ص) يأتي على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة دينها" اي يرى الشريعة في سياق العصر لأن القرأن كتاب هداية جاء ليسهل على الناس حياتهم ويهديهم إلي سواء السبيل وللتي هي احسن.

  6. إما أن تخصص .. وإلا فلا تجمع ..
    "حتى لو كان غير مسلم!" .. :وتكون أهميته علمية وليست دينية أبدا" .. "عملية مهنية بحتة" .. لا يحق لك الإجماع في الكلام أخي في الله .. وان كنت أوافقك في بعض الكلام .. فهذا لا يعني من تقليل احترام أهل العلم في الشريعة .. ومن قال بضرورة الوصية من الله في الاستفتاء؟ .. هذا كلام كثير

  7. مقال علمي و رائع
    بارك الله فيك يا كاتبنا العزيز فنحن بحاجة لمثل هذه المقالات التي تبين و توضح الأمور و لا تترك مجالا للرهبان من أن يقفزوا على الدين و يتكلموا بإسم الرب
    هذه الطريقة في الرهبنة جديدة على المسلمين و لا يجب أن تمتد بل و يجب كشف كل هؤلاء الأدعياء من شيوخ الفضائيات

  8. تحيه لمن تجراء وكتب بالممنوع
    تحيه لكاتب عظيم كسر حاجز الممنوع وكتب بموضوع يعتبره كثيرون من المحرمات وكنت منذ زمان وانا انتظر من يكتب عن هذا الموضوع بالذات لاضع مداخلتي البسيطه ضمن سياق الموضوع بغض النظر عن الردود الجاهزه لهكذا طرح اسمح لي ان ان اضيف باي حق يكون مصير انسان متعلق باجتهاد قاضي او مفتي ممكن ان يصيب او يخيب والنتيجه مصيبه كبرى ولا تستطيع الاعتراض لانه اجتهاد يا سلام لذالك اقترح انه حتى بالاحوال الشخصيه من طلاق وزواج وارث وغيره ممكن للقوانين المدنيه ان تكون اعدل بالفصل بالنزاعات من اجتهاد عالم دين انا في حيره شديده واريد اجابه تقنعني وشكرا

  9. من المسؤول عن الأسلام
    سيدي أنا من المعجبين بكتاباتك ومعجب بترتيب أفكارك وصياغتها. لانسبة لموضوع اليوم التوى مع كل أسف الائمين على الدين شوهوا الفكر الأسلامي وهم من أهم أسباب التدهور في مفهوم الدين وتحجر عقولهم وكتبهم الصفراء والخرافات التي يتعلقون بها من أسباب التخلف . ولننظر حولنا الخطب والدروس كلها مستوحاة من الكتب الصفراء . أنا متعجب أن الله أنزل لنا قرآن عربي وحفظه ليكون سليما ونتركه إلى من هو أدنى . من فضلك أريد رايك فيما كتبت من فكرولك جزيل الشكر

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock