أفكار ومواقف

الفرد الفاعل كمركز للتنمية

تتحول الأعمال والأسواق والموارد، ويتبعها على نحو فوضوي تحولات كبرى في دور المؤسسات والمجتمعات، وتتشكل حقائق جديدة يجب أخذها بالاعتبار على مستوى السلطة والمجتمعات والأفراد، فقد كان المواطن يتهيأ لدوره الاقتصادي والاجتماعي على نحو أقرب إلى التلقائية من خلال التنشئة الاجتماعية والتعليم والمشاركة، لكنها عمليات لم تعد اليوم تعمل بفعالية وكفاءة أو بتلقائية، فالمجتمعات تنسحب من الشراكة والتأثير وتكاد تتلاشى، والدولة يتغير دورها كثيرا، هكذا صار الفرد يتحمل مسؤولية كبرى في تهيئة نفسه، بل وأن يكون شريكا مع السلطة والشركات بديلا للمؤسسات الاجتماعية التقليدية، وفي ذلك يفترض بل يجب أن تتغير السياسات والبرامج الحكومية لتكون موجهة إلى الفرد بما هو كذلك، وتتغير أيضا مسؤولية الأفراد تجاه أنفسهم وتجاه المجال العام.
وبرغم الاعتراف بأن الفرد الفاعل والمنتج لا يأتي على نحو معزول عن البيئة المحيطة والمنظومة المؤسسية والتنظيمية والاجتماعية والاقتصادية، وأن قيم الكفاءة والفاعلية لا تتشكل بوعي مجرد أو مستقل عن الواقع المادي؛ فإن الوعي بما يجب وما نحب أن نكون عليه والتفكير بما يجب عمله وما يمكن تحقيقه يظل عملية ملحة وضرورية حتى لو كانت معزولة عن الوعي الجمعي والمؤسسي الناشئ عن تفاعل اجتماعي طبيعي مع الظروف والأحداث، إذ نظل دائما في حاجة إلى السؤال المستمر والمتكرر عن الخروج من “الحلقة الشريرة” أو سلسلة الفشل.
إن التصور التقليدي والذي مازال يصلح للتفكير (ربما) أن الوعي بالإصلاح تنشئه أفكار وحلول عملية ومبدعة تعمل لأجلها طليعة قيادية تشكل قدوة وإلهاما للمجتمعات والأفراد والشباب، فحين تفقد القيادات الاجتماعية والسياسية قدرتها على الإلهام ولا تعود قدوة صالحة تنهار القيم والمؤسسات المسؤولية عن التقدم والازدهار والتماسك الاجتماعي.
يتشكل الإلهام والريادة كقيمة عليا ورائدة لجميع الأفراد والمؤسسات حول “المعنى” وربما يكون المقتل الذي ألحقته التكنولوجيا الشبكية والحاسوبية بالإنسان لأنها استولت على المعنى الذي كان يتوهم أنه يحتكره، ففي قدرة “الآلة” على أن تؤدي ما كان يتميز به الإنسان على الكائنات الحية والآلات يفقد الإنسان قيمة كان يحسبها جوهرية، وصار في حاجة أن يجد قيما جديدة تحميه من “الرثاثة” التي تعمره اليوم.
تتحول الأعمال اليوم معظمها إلى رثة لا أهمية إنتاجية لها، ويساوي غيابها حضورها، وتتحول العمالة إلى رثة بلا كفاءة ولا معنى، والثروة أيضا تتحول إلى أموال رثة تجنيها وتحتكرها قلة حصلت عليها بالربا والامتيازات والسلع والخدمات الرثة والتافهة والتنمر والخاوات والفساد، ولا تعكس زراعة ولا صناعة ولا إبداعا ولا تصديرا ولا خدمات ضرورية او مفيدة ولا تشغيلا ولا شراكة.
وإذا كانت الثقافة والقيم وأساليب الحياة والأخلاق والسياسة تتشكل حول الأعمال والأسواق، فإنها ستكون أيضا رثة؛ قيم رثة لا تميز بين العمل والتسول. ولا بين الكرامة والإساءة، وثقافة وفنون رثة لا تميز بين القبيح والحسن، وسلوك اجتماعي رث لا يميز بين المعنى والخواء او بين الجدوى والتفاهة، وأسلوب حياة رث لا يميز بين الضار والمفيد، وأخلاق رثة لا تميز بين الخطأ والصواب، وسياسة رثة لا تميز بين العدل والظلم، .. وبطبيعة الحال فإن متوالية الشر والفشل تؤدي إلى أمم رثة لا تمنح العالم شيئا ولا تتقبل العالم ولا يتقبلها.
ما المعنى الذي نبحث عنه اليوم ويجب أن يكتسبه الفرد؟ ما المعنى الذي يجب أن تمنحه النخبة للأمم والأفراد؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock