فنون

“الفرق الثاني”.. ثمان وثلاثون لوحة تحكي عن الشفاء والروحانية

منى أبو صبح

عمان- ضم معرض “الفرق الثاني” الذي افتتح الاثنين الماضي ثماني وثلاثين لوحة بأحجام مختلفة للفنانة التشكيلية العراقية سوسن الصراف، نفذت هذه الأعمال بطريقة المكيس، وذلك في ميديا جاليري الأورفيلي.
من خلال سلسلة الطريق الصوفي للفنانة سوسن الصراف، نجد أنها كانت تسعى للاستفادة من المساحة المتاحة للشفاء والروحانية التي أهملناها في كثير من الأحيان.
وجسّدت سوسن الشخصيات من خلال التنوير، ليس فقط على المستوى الجمالي في الاستخدام المتعمد للضوء، ولكن من خلال استخدام بُعد متوازن مكشوف من صورتها الخاصة في دور الدرويش كذكر تقليدي.
عندما أضافت الصراف شعر الوجه واللحية على صورتها في سلسلة “الفرق الثاني” كانت خطوة قوية جداً ذات صدى كبير، لأنها وضعت نفسها في سياق النضال كونها امرأة في مجتمع يعاني من السلطة الذكورية، وبذلك وضعت فكرة الجنس الذكري في الصدارة في محاولة بريئة ومرحة ولكن في الوقت نفسه جادة وحازمة.
“أين مكان النور فإن الشغوب به”، “ما تبحث عنه يبحث عنك” من رباعيات جلال الدين الرومي، “وحين يشع نور الحب في القلب.. الحب الإلهي”، “ليت بين الذي بين وبينك عامر”، “عيوننا ما تراك”.. بعض من عناوين لوحات الفنانة في المعرض.
اتسمت اللوحات بكونها أدائية وشجاعة، تعكس صراع العالم المادي مع السلام في العالم الروحاني. سلسلة الطريق الصوفي تأتي في ذروة إتقان الصراف الفني وقدرتها على مزج الوسائط المتعددة بسلاسة في الأداء والتصوير والكولاج والرسم والتركيب.
أما استخدام الصراف للتكرار فهو شعائري، ويعكس الروح الإنسانية في صناعة الفن ضمن أنماط إيجابية. وبعيداً عن الجمال الأخاذ للأعمال الفنية نفسها، فهي تدعو إلى الشجاعة والهدوء اللذين كانا سبب إنتاج هذا العمل الفني.
تقول الصراف عن معرضها: “قبل عقد من الزمن، بدأت أنتهج من خلال العلاج الروحاني طريق التأمل. كان إيماني بالله قوياً دائما، إلا أنني شعرت أن هنالك شيئا مفقودا يتمثل في وعيي بذاتي ومدى معرفتي الحقيقية لخبايا نفسي الداخلية. كان لابد لي من التحليل والنظر إلى هويتي الذاتية، والتمعن في حياتي في بلاد الشتات”.
وأضافت “عند ذلك بدأت أسأل نفسي بطريقة نقدية لم يسبق لي فعلها، وتحول تركيزي من وصف الماضي إلى وصف اللحظة الراهنة، وحياتي الحالية وموقعها الجغرافي، وبدأت منذ ذلك الحين الى الميل للتقاليد الصوفية، وسرعان ما بدأ ذلك الميل ينمو وتعلقت بفكرة الطقوس التي يمارسها “الدراويش المولوية”، الذين ينفصلون أثناء ممارستهم لها عن العالم المادي، ويسعون للاندماج بنهاية المطاف في عالم اللاوعي الحسي”.
وتلفت الصراف “إلى جانب هدفي الأساسي المتمثل في تحقيق الراحة النفسية والتناغم الداخلي عن طريق انتهاج الطريق الصوفي، كان يبرز في كل مرة السؤال الحساس عن الهوية الذاتية والتمييز الذي تواجهه الأنثى في السياقات الاجتماعية المتعارفة”.
وتردف “ولسنوات مضت وأنا أرسم نفسي “دوريشاً”، وكأنّي ألمّح إلى الوجه الآخر للأنثى كروحانية متصوفة. ومن خلال بحثي، لم أصادف إلا نادرا نساء متصوفات”.
وتذهب الصراف قائلة “عندما أضفت شعر الوجه إلى “الدراويش” الإناث (من خلال صورتي الشخصية)، أخذ العمل منحى آخر من الوعي يتمثل في محاولة فهم التوقعات بين الجنسين ومدى تمكن دور المرأة أو إنكاره في السعي الروحاني. ومن خلال تقديم نفسي في دور الذكور تقليديا، فهل يا ترى أكون قد اقتربت من حدود استنطاق سلطة الرجال من منظور أنثوي؟”.
وتوضح، أن العمل يبحث أيضا في معضلة إنساننا الحاضر وفي بحثه عن السلام والحرية. في لقاء تخلله حديث مع إحدى “المتصوفات” من الإناث، تمكنتُ من فهم حقيقة أدوار الجنسين في السعي نحو العلاقة الروحية التي تتمثل في كون “التصوف لا جنس له”.
وبينت الصراف “اليوم، فإن “التصوف” بمعناه الشامل تطور إلى كونه كناية عن هذه القضايا المشتركة، وصدى عن واقعنا الحالي.
وقال الفنان الموسيقي ياسين السلمان: “تمتلك سوسن الصراف في داخلها ضوءاً ساطعاً يشبه نهجها الحنون في الفن. فهي المرأة الحساسة، والمعلّمة، والفنانة الصادقة ذات الروح المخلصة”.
ويضيف “استطاعت أن تجد وطنا لها في مواقع عدة تجلّت عن أي حدودٍ جغرافية بين بغداد وأبو ظبي وبيروت وعمان ومونتريال. استطاعت هذه المدن المختلفة صقل تجاربها وهويتها الفنية من خلال إثارة نوع من الاستقرار في التغريب المستمر، مفارقة استطاعت أن توظّفها هي”.
ويوضح السلمان أن الطريق الصوفي هو تتويج لرحلة النفس تلك من خلال إعادة تعريف الذات. وهي محاولة للعثور على هدف واضح من خلال الفن والتعبير، وهو عمل من القلب، وعلى الأرض، وكذلك من الروح، إلى السماوات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock