أفكار ومواقف

الفشل بما هو الدمج بين الشخصي والسياسي

يغلب على فضائنا العام بما يتضمن العمل العام والسياسي والأيديولوجي والثقافي الدمج بين الموقف الشخصي والرأي السياسي أو الديني أو الفكري، فيتحول الخلاف الفكري أو السياسي أو الديني إلى خلاف شخصي وكراهية متبادلة، .. وأسوأ من ذلك أن الناس لا ترى ذلك خطأ، .. بل وفي الفضاء الديني فإنه يبدو موقفا دينيا مطلوبا .. فيغلب على المتدينين أن الخلاف الديني يجب أن يصحبه قطيعة وكراهية ويرى إثما أن يجمع بين العلاقة الشخصية والاجتماعية وبين الخلاف الديني، ويرى من واجبه أن يظهر الكراهية والعداء اعتقادا أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
كيف يمكن تصور إمكانية أن يعمل الناس معا، أو أن يحتكموا الى التصويت والأغلبية وهم غير قادرين على تقبل الاختلاف؟ وكيف يمكن الوثوق بجدية الناس في العمل العام الديمقراطي وهم يعتقدون أن الدين أو الالتزام أو النضال يأمرهم بالكراهية والمفاصلة؟ فإذا كان هذا الفهم الديني أو السياسي صحيحا تصبح الكائنات الحية تقسم إلى قسمين مؤمنين وكفار، أو شرفاء وخائنين و عملاء، أو تقدميين ومتخلفين؟ كيف سيديرون معا مدنهم ونقاباتهم؟ .. كيف يمكن التعايش في ظل هذه الكراهية الكاسحة التي يحسبها أصحابها بطولة أو إيمانا أو تقدمية؟ وما معنى أو جدوى الانتخابات العامة والتنافس السلمي؟
التنوع والتعدد في الآراء والاتجاهات والأفكار قوة وليس ضعفا، ويجب أن تحرص عليه الأمم باعتباره موردا، ففي هذه التعددية تنشأ الثقة التي تجعل الحياة أكثر سهولة، وتقلل من التوتر والتكاليف الإدارية والمالية للأعمال والمؤسسات، تجذب المستثمرين والسياح، .. ويكون أيضا الإبداع، إذ إن هذا الاستماع العميق للأفكار المختلفة والتعاطف الحقيقي بين الناس يولد معارف وأفكارا جديدة، وهذا هو الإبداع.
وفي المقابل فإن التعصب يتحول وبسرعة إلى انقسام اجتماعي عميق، وإلى فشل وفساد، وفي غالب الأحيان، إن لم يكن دائما، نجد أنه عندما يكون الموقف والسلوك الحياتي اليومي واقعيا والموقف الفكري أو الديني أو السياسي أو الأيديولوجي يبدو مثاليا أو متطرفا، يكون هذا التناقض يغطي أو يحمي الفشل والتحالفات والشراكات مع الفساد، أو هو سلوك مشبوه لشخص يعمل لصالح أهداف وجهات ومؤسسات ولا يعكس قناعاته وأفكاره الذاتية، أو هروب مرضي وانسحاب من الواقع؛ انفصام في الشخصية يصل إلى حد الذهان أو المرض النفسي الذي يحتاج إلى علاج، أو غطاء وحماية لسلوك ومخالفات قانونية أو جنائية أو أخلاقية؛ تهرب ضريبي، غش، فساد، رشوة، مسلكيات أخلاقية أو قانونية خاطئة، موارد مالية مشبوهة، أو شعور عميق بالنقص والذنب فردي أو تاريخي جمعي، أو تقية لتغطية أو لتنفيس تعصب مبالغ فيه؛ شوفيني ديني أو اثني او طائفي أو مناطقي، أو يعكس مكاسب ومصالح مادية مباشرة مستمدة من الموقف السياسي أو الفكري او الديني.
في مسلسل هوم لاند الذي يعرض الصراع بين الاستخبارات الأميركية وبين الجماعات المتطرفة، تبدأ شكوك المحللين الاستخباريين حول سياسيين أميركيين عندما يظهرون مواقف وتصريحات مبالغ في مثاليتها وتطرفها القومي والوطني، وهكذا فإن الفضاء العام حتى يحمي نفسه من المخربين والمفسدين يجب أن يحافظ على التنوع وتقبل الأفكار والاتجاهات .. والفصل بين الشخصي والسياسي أو الايديولوجي وبين المهني والمشاعر والعواطف، .. وأن يملك جميع المشاركين في الفضاء العام القدرة على ملاحظة الصواب والمنطقية لدى الآخر واحتمال الخطأ لدى الذات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock