أفكار ومواقف

الفقر المائي في الأردن

منذ أن أصبحت مدركًا في هذه الحياة، وحتى الآن ونحن على أبواب الولوج إلى العشرينية الثانية من القرن الحادي والعشرين، وأنا مثل كل الأردنيين نسمع عن الفقر المائي في الأردن.
لا يوجد مناسبة ولا ندوة ولا ورشة عمل، إلا وتستغلها الحكومة، وخصوصًا وزارة المياه والري ومسؤوليها، بالتصريح والتأكيد بأن الأردن يُعتبر ثاني أفقر دولة مائيًا في العالم.
ورغم إقرار الجميع، سواء أكانوا مسؤولين أم مواطنين أم مؤسسات ومنظمات محلية ودولية، ان هناك شحا في المياه الصالحة للشرب في الأردن، وان الحصول على المياه ليس متساويًا في كل دول العالم.. إلا أنه يُلاحظ أن هناك مبالغة بشكل غير طبيعي بالنسبة لهذا الموضوع في المملكة.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي، إن لم يكن في ستينياته، والمياه، وكنا نسميها وقتها بـ”مياه البلدية”، كانت تأتي إلى كل الأحياء، بمختلف مناطق المملكة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، مرة واحدة في الأسبوع.
كانت سدود المملكة عددها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، والآن أصبح لدينا 14 سدًا رئيسًا ناهيك عن سدود فرعية، وما تزال المياه تأتي مرة واحدة في الأسبوع.. وعندما كان عدد سكان الأردن نحو 3.5 مليون نسمة، كانت المياه تأتي إلى كل حي من الأحياء مرة واحدة في الأسبوع… وعندما أصبح عدد سكان المملكة حاليًا ما يقرب من الـ10.3 مليون نسمة، والمياه ما تزال تأتي مرة واحدة في الأسبوع.
كانت تأتي مرة في الأسبوع، قبل أن يتأثر الأردن بتبعات الحرب الخليجية الثانية، بما تضمنته من عودة مئات الآلاف من المغتربين، وبعد ذلك بقيت تأتي مرة واحدة في الأسبوع.. وتأثرت بعدها المملكة بسلبيات الحرب الخليجية الثالثة، أو بمعنى أصح احتلال العراق، تم على إثرها استقبال عشرات الآلاف من العراقيين، وما تزال المياه تأتي مرة واحدة في الأسبوع.
الربيع العربي، وما تمخض عنه من استقبال الآلاف من اليمنيين والليبيين، ومن بعدها استقبال حوالي 1.3 مليون لاجئ سوري.. وما تزال المياه تأتي مرة واحدة في الأسبوع.
أي “أكذوبة” هذه التي تصر الحكومات المتعاقبة ومسؤولوها على إسماعنا إياها، وأي استخفاف بعقول الأردنيين، الذين يبدو أن قدرهم أن يتعايشوا مع منغصات أو لنقل تخوف ورعب شبه دائم، يصر المسؤولون على اقناعنا فيه أو العيش معه، وكأن الشعب الأردني، الذي ضحى وما يزال، عدو لتلك الحكومات، والتي كأنها أصبحت عقابًا للأردنيين.
قد نفهم أن الأردن يُعاني من شح بالموارد المائية، وبالتالي نقص بمياه الشرب، وإن كنا نشك في ذلك ونعتبره من “الخرافات”، لكن لا نصدق ولا يمكن لنا أن نصدق بأننا الأفقر مائيًا بين دول العالم.. وعلى فكرة نفسي كما الأردنيين جميعًا أن نعلم من هي الدولة التي تُعتبر أفقر من الأردن مائيًا، بما أن ترتيب المملكة بشأن ذلك هو الثاني على دول العالم.
تُقر وزارة المياه والري بأن الإنفاق الحكومي على قطاع المياه خلال الـ20 عامًا الماضية، بلغ حوالي 6 مليارات دينار.. لكنها لا تُقر ولا تعترف بأنها، أي الوزارة، تحصل تقريبًا على حصة الأسد من المساعدات والمنح والأعطيات العربية والدولية، بهدف رفع حجم التزويد المائي لغايات الشرب للأردنيين.
أيعقل، بعد كل تلك المليارات من الدنانير، والمنح والمساعدات، التي نجزم أن الحكومة لن تستطيع الإفصاح عن قيمتها، وما تزال الحكومة، ممثلة بوزارة المياه والري، غير قادرة على الأقل من خفض الفاقد من المياه، علمًا بأنه لا يكاد يمر أسبوع واحد حتى تعلن الوزارة عن أنها تمكنت من كشف اعتداء على خط مياه، أو ضبط حفارة، في مختلف أنحاء المملكة.
لماذا بعد كل هذه المليارات، تكون الوزارة غير قادرة على تنفيذ استراتيجية لتأمين مصادر مياه إضافية للشرب أو لتوفير مياه دائمة لمختلف مناطق المملكة، لا نقل على مدار الساعة، وإنما على الأقل مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock