ترجمات

الفلسطينيون: الضحايا النهائيون للهولوكوست

ألان براونفيلد* – (تقرير واشنطن حول الشرق الأوسط) 23/7/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عندما نناقِش المجزرة التي ارتكبها هتلر في حق ستة ملايين يهودي أوروبي، فإننا غالبًا ما ننسى حقيقة أن الهولوكوست كان له ضحايا آخرون أيضًا؛ الفلسطينيون، الذين انتُزعت بلادهم منهم. وكانوا ضحايا أبرياء عندما سعى العالم إلى توفير مكان لليهود الذين شردهم الاستبداد النازي، وكان الزعماء الغربيون يرغبون في فعل ذلك بطريقة لا تتضمن دعوة لاجئين يهود إلى بلدانهم.
كانت الصهيونية في البداية حركة أقلية بين اليهود. وقام بتأسيسها، كما يشير جيف هالبر في كتابه الجديد المهم “إنهاء استعمار إسرائيل، تحرير فلسطين”، “… يهود لديهم القليل من المعرفة بفلسطين وناسها، الذين أطلقوا حركة لعودة اليهود إلى وطن أجدادهم… بعد غياب قومي لفترة 2.000 سنة…. وفي نظرهم، كان عرب فلسطين مجرد خلفية للصورة. …كانت فلسطين، كما وصفتها العبارة الصهيونية الشهيرة، “أرض بلا شعب”. وقد عرف الصهاينة الأوروبيون أن الأرض كانت مأهولة بالسكان، بطبيعة الحال، لكن العرب بالنسبة لهم، لم يكونوا يرتقون إلى مستوى “شعب”.
وهالبر عالم أنثروبولوجيا يهودي أميركي هاجر إلى إسرائيل، وهو يرأس “اللجنة الإسرائيلية ضد هدم المنازل”. ومنذ البداية، كما يشير، “جذبت الصهيونية جزءًا صغيرًا من يهود العالم في سنوات تكوينها. وذهب 3 في المائة فقط من مليوني يهودي غادروا أوروبا الشرقية بين العامين 1882 و1914 إلى فلسطين، الذين هاجر الكثير منهم بعد ذلك إلى بلدان أخرى”.
من المفارقات أن الأصوات اليهودية الرئيسية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين رفضت الصهيونية، بينما تبناها المعادون للسامية كوسيلة لإخراج اليهود غير المرغوب فيهم من بلدانهم. وبالنسبة لـ”اليهود الإصلاحيين”، تناقضت فكرة الصهيونية تمامًا تقريبًا مع إيمانهم بيهودية نبوية عالمية. وألغى كتاب الصلاة للإصلاح الأول الإشارات إلى أن اليهود يوجدون في المنفى وإلى فكرة المسيح الذي سيعيد اليهود بأعجوبة من جميع أنحاء العالم إلى أرض إسرائيل التاريخية. وألغى كتاب الصلاة جميع الصلوات من أجل العودة إلى صهيون. وجادل الحاخام أبراهام جيجر الذي يحظى باحترام كبير بأن اليهودية تطورت من خلال عملية تطورية بدأت بوحي الله للأنبياء العبرانيين. وكان هذا الوحي تقدميًا؛ حيث أصبحت حقيقة جديدة متاحة لكل جيل. وكان جوهر اليهودية هو العقيدة التوحيدية الأخلاقية.
في العام 1897، تبنى “المؤتمر المركزي للحاخامات الأميركيين” قرارًا يرفض أي محاولة لإقامة دولة يهودية. وأعلن القرار أن “صهيون كانت مُلكيَّة ثمينة من الماضي… وهي بالتالي ذكرى مقدسة، لكنها ليست أملنا في المستقبل. إن أميركا هي صهيوننا”.
وبينما عارض معظم اليهود الصهيونية، اعتنقها العديد من المعادين للسامية. وكتب بيتر بينارت، المحرر في “تيارات يهودية”، في صحيفة “الغارديان” البريطانية: “فعل بعض قادة العالم الذين روجوا بحماس للدولة اليهودية ذلك لأنهم لم يكونوا يريدون وجود يهود في بلدانهم. قبل أن يعلن، كوزير للخارجية في العام 1917، أن ‘بريطانيا تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين’، أيد آرثر بلفور قانون الأجانب للعام 1905، الذي فرض قيودًا على الهجرة اليهودية إلى المملكة المتحدة… وبعد سنتين من إعلانه الشهير، قال بلفور إن الصهيونية سوف تخفف من البؤس الذي طال أمده الذي خلقه للحضارة الغربية وجود جسم (اليهود) في وسطها، واعتبرته لفترة طويلة غريبًا -وحتى معاديًا- لكنها لم تكن قادرة على طرده أو استيعابه”.
في إنجلترا، عارض معظم القادة اليهود وعد بلفور. وأصر عضو يهودي في حكومة لويد جورج، وزير الدولة لشؤون الهند، إدوين مونتاغو، على أن يُعامل اليهود كمجتمع ديني. واستخدم مصطلح “معاداة السامية” لوصف رُعاة وعد بلفور. وكانت الوثيقة التي أصدرها في 23 آب (أغسطس) 1917 بعنوان “معاداة السامية في الحكومة الحالية”.
منذ البداية الأولى للاستيطان اليهودي في فلسطين، كان القادة الصهاينة منفتحين وواضحين تمامًا في توضيح أنهم يريدون إزالة السكان الأصليين في البلاد. منذ العام 1914، أعلن موشيه شاريت، الذي سيصبح رئيساً لوزراء إسرائيل لاحقاً: “لقد نسينا أننا لم نأت إلى أرض فارغة لنرثها، لكننا جئنا لغزو بلد وانتزاعه من شعب يسكنه ويحكمه بحكم لغته وثقافته الهمجية…. إذا كنا نسعى إلى النظر إلى أرضنا، أرض إسرائيل، على أنها أرضنا وحدنا وسمحنا لشريك بدخول ممتلكاتنا -سوف تفقد مؤسستنا كل المحتوى والمعنى”.
ودعا دافيد بن غوريون إلى “الترحيل الإجباري” للفلسطينيين. في العام 1937، أنشأ “لجنة ترحيل السكان” داخل “الوكالة اليهودية”. و”الترحيل”، بالطبع، هو تعبير ملطف عن التطهير العرقي، وتم تنفيذه على مستوى جماعي في العام 1948 ومرة أخرى في العام 1967. وكتب أحد مرتكبيه، يوسف ويتز، مدير دائرة تسوية الأراضي في الصندوق القومي اليهودي: ” يجب أن يكون واضحًا أنه لا مكان في البلد لكلا الشعبين… الحل الوحيد هو أرض إسرائيل بلا عرب… لا سبيل إلا تهجير العرب من هنا…”.
ويشير المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف إلى أن “جعل العرب يختفون يكمن في قلب الحلم الصهيوني، وكان أيضًا شرطًا ضروريًا لتحقيقه… ومع استثناءات قليلة، لم ينازِع أي من الصهاينة الرغبة في الترحيل القسري -أو أخلاقيته”.
وكتب مؤرخ إسرائيلي آخر، إيلان بابيه: “بحلول العام 1945، كانت الصهيونية قد اجتذبت أكثر من نصف مليون مستوطن إلى بلد كان عدد سكانه حوالي مليوني نسمة… لم تتم استشارة السكان المحليين… ولم يتم الالتفات إلى اعتراضهم على مشروع تحويل فلسطين إلى دولة يهودية…. وكما هو الحال مع جميع الحركات الاستعمارية الاستيطانية السابقة، كان الرد على هذه المشاكل هو المنطق المزدوج للإبادة وتجريد الناس من الإنسانية. كانت الطريقة الوحيدة لتوسيع المستوطنين سيطرتهم على الأرض إلى ما بعد الـ7 في المائة، وضمان أغلبية ديموغرافية حصرية، هي إخراج السكان الأصليين من وطنهم. وهكذا، فإن الصهيونية هي مشروع استيطاني استعماري لم يكتمل بعد… ما تزال إسرائيل تستعمر… وتجرد الفلسطينيين من ممتلكاتهم، وتنكر على المواطنين الأصليين حقهم في وطنهم… الجريمة التي ارتكبتها قيادة الحركة الصهيونية، التي أصبحت حكومة إسرائيل، كانت جريمة تطهير عرقي”.
السبب في أن بالوسع النظر إلى الفلسطينيين على أنهم الضحايا النهائيون للهولوكوست هو أن تزايد معاداة السامية في أوروبا دفع العديد من اليهود، الذين كانوا قد عارضوا الصهيونية سابقًا، إلى النظر بإيجابية إلى فكرة إنشاء دولة يهودية في فلسطين كملجأ لأولئك الذين يتعرضون للاضطهاد. وبدأت المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، التي كانت قد عارضت الصهيونية دائمًا في السابق، في النظر إليها بشكل أكثر إيجابية. من دون هتلر، لم يكن هناك دعم كبير من اليهود في الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية لإنشاء دولة يهودية. ومن دون الهولوكوست، لم يكن لدى الأمم المتحدة سبب وجيه لإنشاء دولة إسرائيل.
الآن، أصبح كون الفلسطينيين ضحية مفهوماً على نطاق أوسع. ووصفت كل من منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسيلم”، ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” معاملة إسرائيل للفلسطينيين بأنها “فصل عنصري”.
تتم مقارنة موجة المعارضة الدولية المتصاعدة للاحتلال الإسرائيلي وسوء معاملة الفلسطينيين على نطاق واسع بالحركة التي نشأت لمعارضة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. ويشير جيف هالبر إلى أن “القضية الفلسطينية اكتسبت شهرة عالمية مساوية لتلك التي حققتها الحركة المناهضة للفصل العنصري. وقد أصبح الفلسطينيون رمزًا للشعوب المضطهدة في كل مكان. إن إسرائيل هي دولة استيطانية راسخة وقوية مثلما كانت جنوب إفريقيا، ومع ذلك لم تكن أي منهما قادرة على هزيمة أو تهميش سكان أصليين يتطلعون إلى إقامة دولة قومية”. والآن، حقق النضال الفلسطيني مستوى أهمية النضال ضد الفصل العنصري في العالم.
وثمة المزيد والمزيد من الإسرائيليين القلقين بشأن معاملة بلادهم للفلسطينيين، يأسفون على ابتعادها عن القيم اليهودية. ويكتب البروفيسور ديفيد شولمان من الجامعة العبرية: “نحن، كما نزعم، أبناء الأنبياء. وذات مرة، كما يقولون، كنا عبيدا في مصر. ونحن نعرف كل ما يمكن معرفته عن العبودية، والمعاناة، والتحيز، والغيتو، والكراهية، والطرد، والنفي. وأجد أنه من المدهش أننا، من بين كل الشعوب، أعدنا اختراع الفصل العنصري في الضفة الغربية”.
بينما تقيم صلة مباشرة بين الهولوكوست ومعاناة الفلسطينيين، كتبت جين هيرشمان، التي فرت عائلتها من ألمانيا في وقت الهولوكوست، ما يلي في 14 حزيران (يونيو) في موقع تروث-أوت: “أنا من الجيل الأول من الأميركيين. وقد فر والداي اليهوديان من ألمانيا بينما كانت فظائع الهولوكوست تتكشف. وتركا وراءهما عائلة ماتت في المعسكرات… وبمجرد انتهاء الحرب، قدمت ألمانيا لأبي تعويضات عن خسارة عمله وكذلك عن جريمة الاضطهاد. ورحبت الحكومة الألمانية بوالديّ، وأخبرتهما بأن بإمكانهما استعادة جوازات سفرهما وجنسيتهما… وأتساءل لماذا لا يحق للفلسطينيين الـ750.000 الذين أجبروا على ترك منازلهم وأراضيهم في العام 1948 عندما تأسست إسرائيل تلقي المعاملة نفسها التي تلقتها عائلتي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية”.
وتخلص هيرشمان إلى القول: “لكن الحرب ضد الفلسطينيين لم تنته أبدًا. بدلاً من ذلك، تواصل إسرائيل حتى يومنا هذا سياستها القائمة على التطهير العرقي… وأنا أسأل نفسي كيف يمكن لضحايا الهولوكوست وذريتهم أن يجعلوا من شعب آخر ضحية ويعاملوهم بوحشية على أسس عرقية؟ أسأل نفسي لماذا لا يتمتع الفلسطينيون بالحقوق نفسها في التعويضات والعودة التي مُنحت لعائلتي بعد أن قبلت ألمانيا الاعتراف بالمسؤولية عن جرائمها. ألا يستحق الفلسطينيون التعويضات وحق العودة؟ ألا ينبغي أن يكون لهم الحق نفسه في تقرير المصير الذي تطالب به إسرائيل لنفسها؟ إنني أشعر بالخجل والغضب الشديدين لأن هذه الأعمال تُرتكب باسم الشعب اليهودي، ولأن حكومتي توفر المال والسلاح لدعم هذه الجرائم الإسرائيلية”.
ما يزال الهولوكوست يلقي بظله الطويل على الأشياء. وينبغي أن يكون إعلان “لن يتكرر هذا أبداً مرة أخرى” واحداً يجب علينا جميعًا أن نتعامل معه بجدية. ولا يجب أن ينطبق فقط على الهجمات التي تُشن على اليهود فحسب، وإنما على أي مجموعة دينية أو عرقية. واليوم، إنهم الفلسطينيون هم الذين يتعرضون لتهديد استمرار التطهير العرقي ضدهم نتيجة للهولوكوست نفسه. إنهم، للأسف، آخر ضحاياه.

*Allan C. Brownfeld: كاتب عمود مشارك ومحرر مشارك لمجلة “لنكولن ريفيو”، وهي مجلة ينشرها “معهد لينكولن للبحوث والتعليم”، ومحرر “قضايا”؛ المجلة الفصلية التي يصدرها “المجلس الأميركي لليهودية”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Palestinians: The Final Victims of the Holocaust
ملاحظة: في الصورة المرفقة أعلاه، يجري ألان سي براونفيلد (يسار) مقابلة مع الناجي من المحرقة وأستاذ الجامعة العبرية، يسرائيل شاحاك، رئيس الرابطة الإسرائيلية لحقوق الإنسان والحقوق المدنية، في فندق الملك ديفيد بالقدس في العام 1973. وفي ذلك اللقاء، أعرب الدكتور شاحاك عن أسفه لكون اليهود، الذين عانوا إلى حد كبير تحت حكم النازيين، يسيئون الآن معاملة سكان فلسطين الأصليين. ويعتقد مؤلف العديد من الكتب أن معاملة إسرائيل للفلسطينيين تمثل انتهاكًا للتقاليد الأخلاقية اليهودية. وأيد التزام اليهودية بحقوق الإنسان للرجال والنساء من كل عرق ودين وأمة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock