أفكار ومواقف

الفلسطينيون والمحنة المركبة

الفلسطينيون الذين امضوا اطول رحلة نضال عرفتها الانسانية وتابعوا القرارات والوعود الدولية التي ادانت الاحتلال لأرضهم وطالبت بالانسحاب منها يواجهون اليوم عقبة تاريخية جديدة وتلاعبا بحقوقهم المشروعة الثابتة من قبل ثلة يمينية متطرفة وجدت في الوضع العربي المتهاوي بيئة مناسبة لتحقيق مكاسب دعائية يمكن استثمارها في صناعة امجاد شخصية تساعد كل من ترامب ونتنياهو في حملاتهم الانتخابية في كل من الولايات المتحدة واسرائيل.
الخطة التي تقدم بها الرئيس الاميركي وتناوب على شرح مضامينها مع رئيس الوزراء الاسرائيلي تعبر عن اعلى درجات الغطرسة وتظهر ابشع اشكال الممارسات الاستعمارية التي اخرجت الولايات المتحدة عن دورها كراع للمفاوضات واضعفت مصداقيتها واخلاقيات العمل السياسي امام العالم .
في فلسطين وخارجها لا أحد يتوقع ان تقبل القيادات الفلسطينية سرا او علنا بالخطة الاميركية. ايا كانت الضغوط ومصادرها فمن غير المعقول ان يقبل اي زعيم او تنظيم مهما كان لديه من تفويض او شعبية بـ70 % من الاراضي المحتلة العام 1967 بعد ان رفض عرفات القبول بما يزيد على 98 % من اراضي الضفة الغربية في آخر جولة مفاوضات له مع يهود باراك العام 2000.
الخطة التفصيلية التي عمل على إعدادها فريق من المقربين للرئيس ترامب والداعمين للمشروع الصهيوني تحتوي على بنود وشروط تتجاوز احلام وتوقعات اكثر الصهاينة تشددا. فهي تضيف الى تهويد القدس الاعتراف بالمستوطنات وتعطي للاحتلال الإذن بضم الأغوار ونزع سلاح الفلسطينيين وتحميلهم نفقات الدفاع عنهم من قبل الجيش الاسرائيلي.
بالمقابل تطلب الصفقة من الفلسطينيين الامتثال للإملاءات التي بنيت على افتراضات غير صحيحة ونظرة غير عادلة حيث افترضت الخطة بأنهم يعيشون على الاعانات ويلجؤون للعنف ويقلقون راحة اصدقاء اميركا واليهود لذا فحاجاتهم لتحسن اوضاعهم الاقتصادية دون اي اعتبار للحقوق والهوية واستقلال الإرادة والسيادة على الارض.
الأكثر إيلاما فيما حدث ان يجد الفلسطينيون انفسهم وللمرة الاولى في مواجهة الاعداء، وتخلي بعض الاصدقاء عنهم. فإلى جانب العدو الإسرائيلي وحلفائه الاميركيين يبدو الفلسطينيون وكأن بينهم وبين بعض الانظمة والكيانات العربية حالة جفاء مستترة. لقد اعتاد العرب ومنذ ان نشب الصراع العربي الاسرائيلي على الوقوف الى جانب الفلسطينيين وفي كل مناسبة ومحفل يصطف العرب خلفهم بلا اشتراطات او تردد ولم ينس اي زعيم او سياسي ان يعيد التأكيد في كل مرة ذكر فيها القضية على الجملة المشهورة “بأنه يقف الى جانب الفلسطينيين لنيل كامل حقوقهم على ترابهم الوطني وتأسيس دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس”.
اليوم وللمرة الاولى تتفكك الجبهة العربية ويعلن بعض أركانها التقليديين عن شكرهم للإدارة الاميركية على تقديمها الخطة. في إعلان بعض الدول العربية عن ترحيبها بالجهود الاميركية اشارة واضحة الى تغير اساسي في مواقفها وتراجع قياداتها عن الالتزام بالمبادرة العربية التي شكلت اطارا موحدا للمواقف العربية منذ 2002. من الواضح ان الجبهة الداعمة للحقوق الفلسطينية خسرت التأييد غير المشروط لبعض الانظمة العربية.
بعيدا عن المواقف الغامضة للدول العربية التي أثنت على الجهد الأميركي وحضرت مراسيم الاعلان، هناك العشرات من الدول الاسلامية والعربية الرافضة للصفقة والغاضبة من الغطرسة الاميركية والتمرد الاسرائيلي لكنها تحتاج الى استراتيجية وبرنامج للوقوف في وجه هذه الخطة الغاشمة.
حتى اليوم لا احد يعرف ما يمكن ان تقوم به الجبهة الرافضة لكن الخيارات واسعة، فما تزال الشرعية الدولية الى جانب الحقوق الفلسطينية ومن الضروري ان يؤكد العرب على رفضهم القاطع للصفقة وتنبيه العالم الى خطورة ما قام به ترامب كسابقة تاريخية تهدد الأمن والسلم العالميين فمن غير المقبول ان تتجاوز دولة القرارات الدولية وتتصرف بمعزل عنها.
من المهم للسلطة الوطنية التنسيق مع الاردن والإبقاء على خطاب موحد ثم التواصل مع تركيا وايران واندونيسيا وقطر وباكستان لتشكيل كتلة تخاطب العالم وقواه الحية. على الصعيد الفلسطيني لا بد من ان تختفي الخلافات الفلسطينية الفلسطينية ويعمل الجميع على التعلق بالاهداف القومية للشعب الفلسطيني.
لا أعتقد أن روسيا وفرنسا والصين ودول اميركا اللاتينية واوروبا ستوافق على هذه التعديات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock