أفكار ومواقف

الفلسطينيون وعبء “الدولة”..!

ربما يكون من المفهوم أن يقبل الفلسطينيون – مرحلياً- بدولة على جزء من وطنهم التاريخي، عندما تعذر تحرير الوطن المحتل كله. لكن الاندفاع غير المحسوب، أمام عدوّين بارعَين وهائليّ الإمكانيات، العدو الصهيوني والولايات المتحدة، أوقع حركة التحرر الفلسطينية في ورطة مطوّلة.
كان يُفترض في “الدولة” على أساس حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، أن تصبح ناجزة، بمواصفات السيادة وقابلية الحياة بحلول انتهاء المهلة التي حددتها لها عملية “أوسلو”. ومع أنه لم يكن هناك أي مُعطى يدعو عاقلاً إلى تصديق أن الكيان الصهيوني سيعيد الضفة وغزة والقدس الشرقية إلى فلسطين من دون ضغط ولا إكراه، فإن مسارات العملية التفاوضية كشفت في وقت مبكر، هو نهاية مهلة إقامة الدولة في التسعينيات، أن هذه الدولة لن تأتي أبداً.
لكن ما حدث كان مراكمة طبقات من توريط الفلسطينيين في “الدولة”. أصبحت لديهم وزارات وهيئات وأجهزة أمن وبلديات (كلها تحت الاحتلال وتعمل بشروطه). وشاع حسُّ زائف بالتحرر – من نوع حرية التحرك في عنبر سجن على بابه سجانون. وأصبح من الصعب – نفسياً وعلى صعيد السُّمعة- الاعتراف بزيف الدولة وفشل المشروع، والتخلي عن مظاهر السيادة: “جواز السفر” الفلسطيني والأوراق المروسة بعبارة “دولة فلسطين”.
تطلبت إدامة ديكورات هذه “الدولة” وصيانة أجهزة إعاشة الشعور بـ”الاستقلال” استجلاب المال، مثل أي دولة حقيقية. ولما كانت هذه “الدولة” بلا إمكانيات ذاتية، ولا حرية في تكوين مشروع اقتصادي وهي المحاصرة والمحتلة، جاء المال مشروطاً بنوايا مانحيه. والشروط هي: عدم عمل أي شيء بالمال يساعد حركة التحرر الفلسطينية، أو دعم المقاومة، أو مضايقة الاحتلال. وتم ضمان أن يُصرف هذا المال فقط في إدامة وضع يخدم الاستيطان، والمصادرة، والهدم، والاعتقال، و”الحقائق على الأرض” وكسر الإرادة وروح المقاومة، ونزع عجلات العربة الفلسطينية حتى لا تذهب في أي اتجاه بينما كل شيء آخر يتحرك.
ورطت “الدولة” الفلسطينيين في التصور المدمر بأن “إسرائيل” تتفاوض مع “فلسطين”. وعلى “فلسطين” أن تلتزم ببروتوكولات ووسائل الدول وليس حركات التحرر الوطني. وبذلك، يجب أن تلتزم بـ”عدم الاعتداء” و”احترام الحدود” وتقديم الخدمات وتولي إطعام مواطنيها. وبالطبع، رافق ذلك تكوُّن “نظام حاكم”، حدث أنه كان توليتاري –وإنما مشوه أيضاً- مثل أنظمة المنطقة. وفي حين يستولي التوليتاريون على أغلب الثروة ويدافعون عن كراسيهم ضد مواطنيهم ويمتلكون درجة من الإرادة، فإن نظام “فلسطين” ليس لديه سوى مال المساعدات المشروطة كما هي.
وثمة شيء، شخصه الكاتب الجنوب أفريقي جوزيف داناً، في معرض مقارنة بين تجربة حركة التحرر من الأبارتيد في بلده وحركة التحرر الفلسطينية. كتب عن قادة بلده الثوريين حين انتقلوا من ثوريين إلى حُكام: “تم تعيين العديد من هؤلاء السياسيين في مجالس إدارة الشركات الجنوب أفريقية الكبرى وأصبحوا أثرياء، شخصياً، بطريقة تفوق الخيال. وقد جمع الرئيس الحالي لجنوب أفريقيا، سيريل، ثروة شخصية كعضو في مجالس الإدارة ومستشار للعديد من شركات التعدين الكبرى. وعندما قتلت قوات الأمن 34 من عمال المناجم أثناء احتجاجهم على الظروف السيئة والأجور المنخفضة في منجم ماريكانا في العام 2012، خرج إلى دائرة الضوء منصب رامافوزا كمدير غير تنفيذي لمشغّل المنجم -حتى أنه طالب باتخاذ “إجراءات متزامنة” ضد عمال المناجم خلال الاحتجاج الذي استمر أسبوعًا”.
هل يذكّر هذا بشيء بشأن “الدولة” في فلسطين المحتلة؟ حتى جوزيف دانا من القارة البعيدة وجد الصلة: “إن استراتيجية إثراء مجموعة من السكان الأصليين الذين يديرون المشروع الاستعماري هي فكرة قديمة اتخذت شكلاً جديدًا بمجرد أن تولى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي السلطة السياسية في العام 1994… وتختلف الخصوصيات، لكن التأثير في كل من جنوب أفريقيا ما- بعد الأبارتيد وفلسطين متشابه: تتبنى النخب سياسات اقتصادية توسع بشكل كبير ثروتها الخاصة بينما تكون كارثية على السكان الذين من المفترض أن (النخب) تمثلهم وتدعمهم”.
من المعروف تماماً أن “الثورة” و”الثروة” لا يجتمعان. ولطالما كان مذاق السلطة والمال دائماً مقتلاً للثوريين. فإذا أعطيت المال و”الدولة” المعدمة المحتلة، فإنك تتورط في عناء إدامة “الفخامة الرئاسية” بأي ثمن من جهة، وتدبّر أمر إطعام قطيعك كمهمة تلهي حتماً عن الالتفات إلى الثورة. بل إن “دولتك” تلزمك بأن يكون شرط البقاء إعدام الثورة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock