أفكار ومواقف

الفنون في منظور المتطرفين

لا أحد يجبر الداعشي أو المسلم التكفيري على حضور مؤتمر فكري، أو حفلة، أو مهرجان للموسيقى أو الغناء أو الرقص… إنه حرّ في أن يحضر أو أن لا يحضر، ولكنه لا يحق له أن يمنع انعقاد مؤتمر فكري، أو منع إقامة حفلة أو مهرجان فني، وإلا كان إرهابياً بلا حدود. وإذا كان الله تعالى خاطب الكفار – عبر الرسول صلى الله عليه وسلم – قائلاً: “لكم دينكم ولي دين”
(6/108) الآية التي نفهم منها ان لكم عاداتكم وتقاليدكم أيها الكافرون، ولنا عاداتنا وتقاليدنا نحن المسلمون، أفلا تدركون ان لغيركم من المسلمين مثل هذه الحرية؟!
ويخاطب الله تعالى الرسول فيقول: “ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً” (80/4) ويقول أيضاً: “ولو شاء الله ما أشركوا، وما جعلناك عليهم حفيظاً” (107/6) ويقول: “وإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً” (48/42) ويقول: “وما على الرسول إلا البلاغ المبين” (54/24) ويقول: “فإنّ اعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً. إن عليك (الاّ) البلاغ” (48/42) ويقول: “فإن عليك البلاغ وعلينا الحساب”(40/17) وهكذا كثير. وحفيظاً تعني حافظاً ومهيمناً ورقيباً. أفبعد كل هذه الآيات الكريمة التي تحترم حرية التفكير والتعبير تتجاوزون الله ورسوله وتجعلون أنفسكم حفيظين على الناس ومحاسبين لهم؟!!!
لعلّ هذا التجاوز يبلغ حد الكفر، وأنتم لا تعلمون لدرجة أنكم تكفرون غيركم من المسلمين وغير المسلمين، وتحملون السلاح لقتلهم دون تمييز، غير آبهين بما يخسره الإسلام والمسلمون من حرية وتقدير، وما يتعرضان له من تضييق.
لو كنتم مؤمنين حقاً بالقرآن الكريم كلياً لا انتقائياً لاكتفيتم بالتبشير أو البلاغ به، ولانتشر الإسلام في العالم كما كان يحدث قبل هذا الإرهاب، فالكلمة الطيبة وليس الرصاصة تخرق القلب وتستقر في النفس وتبقى أفلا تدركون؟!
إنني لأعجب من تحديكم للقرآن الكريم، إنكم بهذا المنهج في ضلال مبين وليس في دلال مبين كما تدعون أو تتصورون.
وتحاربون الفنون أيضاً وكل ما يدخل البهجة والفرح في نفس المسلم، مع أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “روحوا عن أنفسكم ساعة بعد ساعة فان القلوب إذا كلّت عميت”. فما معنى ساعة بعد ساعة؟ إنه نصف الوقت أو الوقت المساوي لوقت العمل.
وفي “باب ما لا يكره من اللعب” (الفنون) للبيهقي (384 – 458 هـ) في كتابه “الآداب” (الإسلامية) المستقى من كتب الأحاديث المعروفة، يستخرج منها تلك الأحاديث أو الوقائع التي تسمح باللعب (الفنون). ومن ذلك أن أبا بكر دخل على ابنته عائشة في بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – وعندها جاريتان تغنيان وتدفقان (تتمايلان) وتضربان (على الدف) ورسول الله متغشي بثوبه، فانتهزها أبو بكر، فكشف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن وجهه وقال: “دعها يا أبا بكر فإنها أيام عيد”.
وفي واقعة أخرى تقول عائشة: رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسترني بثوبه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون (يرقصون ويغنون) في المسجد وأنا جاريةً (أي “حديثة السن حريصة على اللهو”).
وعن أنس بن مالك وغيره أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يحدى له في السفر، وأن أبخشة كان يحدو بالنساء، والبراء بن مالك كان يحدو بالرجال، وأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال له: يا أبخشة كذاك سوقك بالقوارير”.
وأما الرقص (بالنص) فقد “أخبرنا عن …. عن علي”، قال: أتينا النبي – صلى الله عليه وسلم – أنا وجعفر وزيد، فقال لزيد: “أنت أخونا ومولانا”، فحجل (رقص) وقال لجعفر: “أشبهت خلقي وخلقي”، فحجل وراء زيد. وقال لي: “أنت مني وأنا منك” فحجلت وراء حجل جعفر”.
للأسف وسوء فهم للدين وسوء الخلف يرفض جمهور المسلمين أو يؤيدون أمراً أو فكرة أو مؤتمراً أو حفلة أو مهرجاناً على “الريحة”، وكأن هذا الجمهور ساذج أو مستلب فلا يطلع على تلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وكأنه خاضع لأصحاب المنابر المتطرفين أو خائف منهم؟
ربما يكون السبب الحقيقي لهؤلاء من نشاطات غيرهم سياسياً نتيجة لتسييس الدين وتديين السياسة، فحينئذ يستخدم السياسي (أياً كان فكره) كل الأساليب والوسائل للفوز بالسلطة، أو للاحتفاظ بها. وبهذا التسييس أو التديين يتحول المقدس بالسياسة إلى مدّنس، والعياذ بالله.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock