أفكار ومواقف

الفنون قمة الحضارة

إذا تخيلنا المجتمع /الدولة كشجرة فإن جذورها تمثل البنية التحتية التي تثبتها في الأرض وتغذيها وتحافظ على الحياة الدائمة فيها، وتمثلها المؤسسات المختلفة والطرق والمواصلات.. وساقها / جذعها وأغصانها وأزهارها وثمارها هي البنية العلوية فيها، وتمثلها الثقافة والفنون، فإننا يجب ان ننطلق من البنية التحتية أو الأساس في المجتمع / الدولة لمعرفة مدى صحة البنية العلوية أي الثقافة والفنون فيها.
وبفحصنا للبنية التحتية في المجتمعات المسلمة: العربية وغير العربية، لا نعثر على بنية علوية حية ونامية، أي على فنون تذكر، لأن البنية التحتية غير مؤاتية، بل بالعكس معادية لها.
ولعل هذه الحالة الثقافية الفنية المرَضية تفسر شقاء هذه المجتمعات وتعاستها اليومية، فهي قلّما تفرح من القلب، “مع أن الله جميل ويحب الجمال” كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تطرب أو تصفق لفن. إن اهتمامها مقصور على تلبية حاجاتها البدنية/ البيولوجية كالأكل والشرب والنوم.. وهي لذلك تعيش حياة بلا معنى، وتأمل أن تحصل على عكسه في الآخرة، لأن الدنيا “سجن المؤمن” وجنة الكافر، والآخرة بالعكس حيث المباهج لا حصر لها. ولكن الله تعالى يقول: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا” (سورة القصص: الآية 77).
لعل غياب الفنون: إنتاجاً واستمتاعاً من مجتمعات المسلمين: العربية وغير العربية، يفسر خشونة الفرد والمجموع فيها، وتوترهما في التعامل والتفاعل في معظم الحالات وعلى مختلف الأصعدة، مقارنة بالفرد والمجموع في المجتمعات/ الدول التي تدعم بنيتها التحتية الثقافة والفنون، فيكون الفرد ناعماً، ورقيقاً، ومهذباً، وحساساً، ومتحضراً، وفي كثير من الأحيان نباتياً.
نعم، لكل منا ومنهم أحزانه، ومحباته، ومسراته، ولكن الفنون، وبخاصة الموسيقى والغناء، اللذين يخاطبان أعماق النفس، تجعلنا نشعر بتلك العواطف ونفكر بقلوبنا، ونشعر بعقولنا. وحسب الفيلسوف الألماني فردريك نيتشة (1844 – 1900) فإن “الحياة بغياب الموسيقى تصبح غلطة كبرى”. ولكن الفنون لا تزدهر في بيئة (تحتية) لا تحس بالمغامرة كما يقول ألفرد نورث وايتهيد (1861-1947)، لأنه لا شيء في العالم يتطلب شجاعة أو مغامرة أكثر من الإبداع والابتكار، ولا إبداع ولا ابتكار أرقى من الإبداع والابتكار في الفنون، فالفن تمرد على الرتابة والخمول، وإلا كان احتيالاً كما يقول فيلسوف آخر.
أما الفيلسوف إيريك فروم فيرى أن جوهر الفنون العظيمة سعي دائم نحو الإبداع والابتكار، وأن الفنون ثورية لأنها تمس حقيقة الإنسان، وتناقش حقيقة الأشكال الانتقالية المختلفة في المجتمع. ويعبر الرسام العالمي بابلو بيكاسو عن ذلك بقوله: “إن الفن هو الكذبة التي تمكننا من إدراك الحقيقة”. فلماذا نخشى الفنون ونكرهها ونحاربها مع أننا كنا متعلقين بها في الماضي؟
هل نريد أن تبقى المدرسة بمناهجها وكتبها ومرافقها قاحلة، ومعادية للفنون كيلا يخرج الأطفال من قبضتنا مستقبلاً، أو كي يكونوا نسخة طبق الأصل عنا علنا عليهم نسيطر فلا يتغيرون ولا يتقدمون، لأن التقدم يكون بتفوق كل جيل على سابقه. إذ لما حاولت المدرسة تذوق طعم الفنون في أغنية أو لحن قامت القيامة عليها، فخرج أطفالنا بعيداً عن أعيننا يتمردون.
أما التفسير الثاني لرفض الفن فقد يكون غيرة الرافضين المحرومين منه، من المستمتعين به، فيعمل الرافضون لحرمانهم منه، فيسرون بالتساوي معهم في الحرمان، فيتمرد عليهم أطفالهم سراً ويفسدون وهم لا يدرون.
بهذه العقلية نحوّل الدين من يُسر إلى عُسر، ومن بهجة إلى كآبة، وكأننا لا نقرأ القرآن الكريم والحديث الشريف ولا نتدبرها.
نعم، إن الفن أقل قيمة من الحياة نفسها، ولكن ما أفقرها بدونه. وقد قيل: من لا يعجبه الربيع وأزهاره، والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج وإلى العلاج محتاج.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock