فكر وأديان

الفهم الفهم

د. محمد المجالي

جاء في وصية عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة، رضي الله عنهما: “الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ”، وجاء مع الوصية كلام طويل، يعنيني منه هذه الجزئية ليس إلا، خاصة في هذا الزمن الذي تلتبس فيه الأمور، وتغلب العاطفة والتفكير السطحي على معظم الأشياء، وفي ميادين الحياة المختلفة.
وخطاب عمر لأبي موسى قد شرحه العلماء طويلا يمكن الرجوع إليه في كتاب (أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيّم)، وهو قاعدة عظيمة في القضاء عند العلماء، ففيه من الحكم والوصايا والقواعد ما يؤسس للعدل، المنهج الذي قامت عليه السماوات والأرض، ولا يمكن لحكم –أنى كان- أن يدوم إلا به، فالعدل أساس الحكم، ووسيلة الإيجابية بين أفراد المجتمع كله، ومجلبة لرحمات الله وعطاءاته، فالله يؤيد الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يؤيد الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ولن تكون مسلمة حقيقة، بل فعلها عكس منهجها، تماما كما هو حالنا هذه الأيام.
الفهم الفهم فيما تردد في الصدر، وليس موجودا في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالأصل الرجوع إليهما في الأمور الدينية، بل في الإطار العام للأمور الدنيوية، فالشريعة راعت مصالح الناس، فمن الأمور التي تؤكدها هذه الفقرة من خطاب عمر أن المرجعية العليا في الإسلام هي لكتاب الله ثم لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم للاجتهاد، هكذا ينبغي على المسلم الحق أن يفعل، ولا يمنع هذا من الاطلاع على سائر العلوم والتجارب الإنسانية، ولكن في طليعة مرجعيتي فلا بد من القرآن والسنة، فالقرآن هو المهيمن على الكتب السماوية الأخرى، وغير الوحي جهد بشري، يؤخذ منه ويُرَد، ولا يصلح أن يشرع الناس لبعضهم في الأمور الدينية، أما أمور الحياة العادية فلا بأس بذلك، شريطة أن لا يتعارض والأصول العامة للدين، إذ الدين جاء لجلب الخير ورد الشر، لجلب منفعة ودرء مفسدة، فهو مصالح كله.
أما موضوع الفهم فليس مرتبطا بالدين وشؤون القضاء وحدها، بل هو منهج في الحياة بشكل عام، فكل ما يحيك في صدرك، وكل ما تتردد فيه، فلا بد من الفهم والمشورة والاستخارة، فلا يجوز للإنسان أن يمشي مكبا على وجهه، فهناك تجارب إنسانية، وهناك عقل وهبنا الله إياه لنعقل به ونفهم حقائق الأشياء، ولا يجوز أن يتخذ أحدنا قرارا دون أن يتفكر ويدرك عواقب الأمور، وهذا في النهاية جهد بشري قد تكون نتائجه خاطئة، فالمهم أن يجتهد أحدنا ويفهم الأمور ولا يجامل في الحقائق ولا يغلّب العواطف، لأن النتيجة ستكون ندما وربما أمورا عظيمة تنعكس سلبا على حياة ذلك الإنسان.
الفهم مطلوب لنعي ما يجري في حياتنا بشكل عام، حتى لا يطغى روتينها على حقائقها، والفهم مطلوب فيما استعصى علينا فهمه من أحداث، فلا يكفي أن نسمع خبرا ما أو نقرأ تحليلا ما، إذ المصالح في هذه الأيام تعلو على المبادئ، ونماذج القدوة في الغالب غدت محل تقلب وتردد فلا يُطمأن لها، الفهم مطلوب حتى في أمور الدعوة وسنن الله في التغيير والحركة بهذا الدين، فلا ينفع التقليد الأعمى الذي سارت وتسير عليه بعض الجماعات الإسلامية إلى الآن، من دون تجديد في الوسائل، ولا استيعاب حقيقي لما ينهض بهذه الأمة، ويتغلب على العقبات، والعجيب أن يدندن بعض الشيوخ بعبارات الصبر الدالة على الإيمان البارد، ولا يخططون ولا يجددون لنهضة الدين والأمة، ويريدون من سنن الله أن تتبعهم، والعكس صحيح ينبغي الانتباه إليه.
إن الفهم مطلوب في شؤون علاقات المسلمين بأنفسهم وبغيرهم، إذ يتغير العالم من حولنا وتتغير الوسائل، ونجد أنفسنا -غالبا- مستمسكين بوسائل متغيرة، وربما أفضى عليها حب التقليد شيئا من القدسية، وربطها بعضهم بالوفاء للماضي، وكل ذلك عواطف لا مجال للاستمرار فيها.
أجل، الفهم مطلوب، لا يجوز أن نعطل عقولنا، ولا أن نعمي أبصارنا ونسد آذاننا، فالتفكر فريضة يغفل عنها كثير من الناس، ونحن في زمن أحوج ما نكون فيه إلى التفكر والفهم، في أمورنا الدينية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية، نثق بديننا، وبأنفسنا، ونتفاءل كثيرا، ولكن مع ذلك فلا بد من أخذ بالأسباب، وعرض للقضايا فلا مداراة فيها، ولا بد من الفهم فلا ينفع التقليد أو السكوت عن مواطن الخلل أو مشكلات الأمور، فالدين اكتمل والحق قديم أبلج، والمشكلة في كيفية الوصول إلى الرأي السديد، فلا بد أن تكون نياتنا لله، ونبعد الهوى فهو مفسدة للأمور، وبعد ذلك فوسائل الفهم منها ما هو مجرَّب موجود، ومنها ما هو قابل للتجديد، ولو صلحت النوايا واستقام منهج الفهم، لوصلنا إلى بغيتنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock