ترجمات

الفوضى العالمية الجديدة: القيادة العالمية غائبة عن العمل

دانييل فرانكلين– (الإيكونوميست) 18/6/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعد أسابيع قليلة من هجوم اليابان على ميناء “بيرل هاربور” الأميركي، كان ونستون تشرشل يحل ضيفًا على البيت الأبيض. وكان الرئيس فرانكلين روزفلت تواقاً إلى إخباره بأنه توصل إلى اسم لما سيصبح منظمة أمنية عالمية جديدة، حتى أنه اندفع داخلاً، كما تقول القصة، إلى غرفة نوم تشرشل، ليجد رئيس الوزراء عاريًا إلا من رداء الحمام. وليس المدهش حول أصول “الأمم المتحدة”، الاسم الذي اختاره روزفلت، هو هذا الأسلوب غير التقليدي في التواصل (ربما كان رئيس أميركي حديث ليغرد فكرته على “تويتر”). المدهش أن رجال الدولة كانوا يخططون مسبقاً، في خضم الحرب، للسلام .
على الصعيد الاقتصادي، أدى ذلك إلى إنشاء “البنك الدولي” و”صندوق النقد الدولي” في العام 1944 في بريتون وودز في نيو هامبشاير. وعلى الجانب الأمني، كُسيت الخطط الخاصة بالأمم المتحدة لحماً في دمبارتون أوكس في واشنطن العاصمة، ووافق عليها تشرشل وروزفلت وستالين في يالطا في شبه جزيرة القرم، وتم وضع اللمسات الأخيرة عليها في مؤتمر في سان فرانسيسكو بعد وفاة روزفلت. وأعلن الرئيس هاري ترومان في الجلسة الختامية في 26 حزيران (يونيو) 1945، عندما تم التوقيع على الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة: “يا له من يوم عظيم يمكن أن يكونه هذا في التاريخ”. كانت الدول قد وضعت خلافاتها جانباً “في وحدة لا تتزعزع من التصميم -لإيجاد طريقة لإنهاء الحروب.”
لكن النشوة الأولى سرعان ما أخلت مكانها للإحباط مع اندلاع الحرب الباردة. ومع ذلك، كما لاحظ الأمين العام الثاني للمنظمة الجديدة، داغ همرشولد، فإن الأمم المتحدة “لم يتم إنشاؤها لأخذ البشرية إلى الجنة، وإنما لإنقاذ البشرية من الجحيم”. على مدى 75 عاماً لم تكن هناك حروب عالمية (على الرغم من الكثير من الحروب الأصغر). وعلى عكس سلفها، عصبة الأمم، أثبتت الأمم المتحدة قدرتها على الصمود. ونمت عضويتها من 51 دولة إلى 193، من خلال إنهاء الاستعمارات وتفكيك الإمبراطورية السوفياتية. وهي تقع في القلب والمركز من نظام عالمي قائم على القواعد، وتغطي أنشطتها وأنشطة وكالاتها المتخصصة جميع جوانب الحياة تقريبًا.
ومع ذلك، لا يمكن لأي نظام دولي أن يدوم إلى الأبد. بمرور الوقت يتحول ميزان القوى، وتفشل الأنظمة في التكيف ويبدأ التعفن. وقد تآكل السلام الذي حلّ بعد “مؤتمر فيينا” في العام 1815 ببطء؛ إلى أن انهار سريعاً بعد “معاهدة فرساي” في العام 1919. وعادة ما عنى التحول من قوة مهيمنة إلى أخرى نشوب الحرب (كان تحول مركز القوة من بريطانيا إلى أميركا منذ أكثر من قرن استثناءً نادراً).
الآن، يطرح “كوفيد 19” تحدياً جديداً. ثمة فراغ ماثل حيث يبحث العالم عادة عن القيادة الأميركية. وبدلاً من ذلك، يرى الرئيس دونالد ترامب وهو يجعل من نفسه أضحوكة، مقترحاً علاجات غريبة للمرض. وبدا ترامب مهتمًا بإلقاء اللوم على الصين عن التسبب بالوباء أكثر مما عُني بحشد استجابة دولية، وكانت أبرز الخطوات التي اتخذها هي تعليق تمويل بلده لمنظمة الصحة العالمية والتهديد بمغادرتها. وفي آذار (مارس)، لم يتمكن وزراء خارجية مجموعة السبع حتى من إصدار بيان، لأن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أصر على الإشارة إلى “فيروس ووهان”.
كانت استجابة الصين المبكرة للفيروس تستُّراً مورس بغير مهارة، لكنها شرعت منذ أن تمكن إغلاقها القاسي من جلب “كوفيد 19” تحت السيطرة، في التبشير بنجاحاتها في جميع أنحاء العالم، وقدمت معدات الوقاية للبلدان الشاكرة. وفي الأثناء، أغلق الأوروبيون الحدود، بما في ذلك في منطقة “شينغن” التي يفترض أنها خالية من الحدود. وكان مجلس الأمن الدولي المنقسم غائباً عن العمل.
كان النظام العالمي يترنح مسبقاً. فقد غذت الأزمة المالية العالمية في 2007-2009 النزعات الشعبوية وأشاعت حذراً قلِقاً من المؤسسات الدولية. وغالبًا ما تعكس هذه الاتجاهات الحقائق السائدة منذ عقود، وليس اليوم (الأعضاء الخمسة الدائمون الذين لديهم حق النقض في مجلس الأمن هم القوى المنتصرة في العام 1945)، لكنها تقاوم الإصلاح مع ذلك. وما تزال القواعد باقية، لكن القوى الكبرى تشعر باطراد بأنها حرة في تجاهلها. وقد استولت روسيا بصلافة على قطعة من أوكرانيا. واحتلت الصين أراضٍ متنازعاً عليها في بحر الصين الجنوبي.
لطالما اشتكت الولايات المتحدة من تكلفة دعم النظام الدولي متعدد الأطراف، وأبدت قلقها السلطات العقابية التي تقيدها. وقامت، إلى جانب بريطانيا، بغزو العراق في العام 2003 من دون تفويض من مجلس الأمن. وبدأ الرئيس باراك أوباما، الذي أعطى الأولوية “لبناء الدولة في الداخل”، ما يشبه التراجع عن تحمُّل أعباء القيادة العالمية. لكن المهندس الرئيسي للنظام لديه الآن رئيس يبدو مسروراً بتدمير هذا النظام.
انسحب ترامب من اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ ومن الاتفاق النووي مع إيران. وشكك في التزام أميركا تجاه “الناتو” (على الرغم من أنه عزز قواته في أجزاء كثيرة من أوروبا). واستمر في تقويض منظمة التجارة العالمية من خلال منع تعيين قضاة جدد في هيئة الاستئناف.
كما وصف الاتحاد الأوروبي بأنه “العدو”. ويتسبب غرامه بالعقوبات في المزيد من الاحتكاكات، ويثير الشكاوى من أن أميركا تسيء استخدام “الميزة الهائلة” المتأتية من امتلاكها عملة الاحتياطي العالمي، ويحفز الاهتمام (بين الحلفاء والمنافسين على حد سواء) بمحاولة الحد من هيمنة الدولار.
في الأمم المتحدة، يشكو حلفاء أميركا من أن ترامب يمارس الانتقائية المفرطة. وليس الجديد انسحابه من وكالة أو اثنتين (انسحب ترامب من وكالة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، “اليونسكو”، التي تتخذ من باريس مقراً لها، ومن مجلس حقوق الإنسان الذي يتخذ من جنيف مقراً له، بذريعة تحيزهما ضد إسرائيل)، وإنما عدم الالتزام بالنظام ككل. وتردد مقولته “أميركا أولاً” صدى لغة هنري كابوت لودج، عضو مجلس الشيوخ الانعزالي الذي ناضل بنجاح ضد الانضمام إلى عصبة الأمم في عشرينيات القرن العشرين. وفي هذا تناقض صارخ مع أممية روزفلت وترومان. وقال ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) الماضي: “المستقبل ليس لأنصار العولَمة. المستقبل للوطنيين”. وكل هذا يعني أن الأمم المتحدة، بعيدًا عن التطلع إلى عيد ميلاد سعيد، تقترب من الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لإنشائها وهي في حالة من القلق الشديد.
يقسم الأمين العام، أنطونيو غوتيريس، رئيس الوزراء البرتغالي السابق البارع، تاريخ الأمم المتحدة إلى ثلاث فترات. الأولى كانت “ثنائية الأقطاب”، والتي تميزت بالتنافس الذي ساد خلال حقبة الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفياتي. وعلى الرغم من أن مجلس الأمن كان مُجمَّداً إلى حد كبير، كانت هناك بعض الإمكانية للتنبؤ بما قد يحدث في المواجهة، وكانت الأمم المتحدة مبتكِرة بما يكفي للتوسع في مجالات مثل حفظ السلام، والتي لم تكن مذكورة في ميثاقها.
بعد انهيار الشيوعية جاءت فترة وجيزة من “أحادية القطب”، عندما كانت هيمنة أميركا بالكاد موضع نزاع. وكان مجلس الأمن قادراً على العمل بالشكل الذي توخاه مؤسسوه، وأطلق موجة من بعثات السلام، وفوّض بتحرير الكويت بقيادة الولايات المتحدة في العام 1991. وأشاد جورج بوش الأب بـ”النظام العالمي الجديد”. كما طورت الأمم المتحدة مبدأ “مسؤولية حماية” السكان ضد الفظائع الجماعية.
لكن أميركا، التي تعثرت في الشرق الأوسط وأفغانستان، أصبحت مرهقة وأخذت تنظر إلى الداخل. وفي العالم الأوسع، ازداد القلق من فرض الغرب قيمَه، خاصة باستخدام القوة. وتتحدى روسيا انتقامية وصين صاعدة بشكل متزايد تفوق أميركا. وأصبح مجلس الأمن عالقاً مرة أخرى، على نحو يعكس تجدد التنافس بين القوى العظمى. وهذه الفترة الثالثة، كما يراها السيد غوتيريس، ما تزال غير مستقرة. ويقول: “العالم ليس متعدد الأقطاب بعد، إنه في الأساس فوضوي”.
أميركا أولاً
ليس وجود درجة من الفوضى مفاجئاً بالنظر إلى التحولات الدراماتيكية التي شرعت في تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ متنافسة. خذ الاقتصاد. منذ العام 2000، انتقلت حصة الصين من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بأسعار السوق من أقل من 4 في المائة إلى ما يقرب من 16 في المائة. ويقوم عمالقة التكنولوجيا، مثل “علي بابا” و”تينسينت” و”هواوي”، بنشر البنية التحتية الرقمية الصينية في الخارج، خاصة في الأسواق الناشئة. والصين هي أكبر مصدِّر في العالم. وعلى الرغم من أنها وافد جديد نسبياً (حيث انضمت إلى النادي فقط في العام 2001)، فإنها تقدم نفسها الآن كمدافع رئيسي عن منظمة التجارة العالمية التي تتعرض للهجوم من أميركا.
وفي مجال التمويل، على الرغم من أن الدولار ما يزال هو المهيمن، فإن اليوان في وضع يؤهله لكسب الأرضية. وفي صندوق النقد الدولي، ما تزال الصين ممثلة تمثيلاً ناقصاً، مع كوتا وحصة تصويت بـ6 في المائة فقط. ولكن، بينما يكافح الصندوق لدعم اقتصاد عالمي منكوب، ستكون الصين واحداً من العوامل الأساسية للعمل، سواء في تصميم تخفيف الديون (يُعتقد أن الصين أقرضت أكثر من 140 مليار دولار للحكومات الأفريقية والشركات المملوكة للدولة منذ العام 2000) أو في زيادة الحصص.
تمتد هذه الاضطرابات إلى الأبعاد الدبلوماسية والأمنية التي هي محور هذا التقرير الخاص. هل الأمم المتحدة، والحوكمة العالمية التعاونية التي تجسدها، محكوم عليهما بأن تصبحا أقل صلة في عالم تنافس القوى العظمى؟ من السابق لأوانه بالتأكيد فقدان الأمل بهما. لكن النظام الليبرالي يحتاج، إذا ما أراد الحفاظ على نفوذه وطابعه، إلى استعادة القيادة والمرور بإصلاحات صعبة.
للنظام متعدد الأطراف نقاط قوة مهمة، إحداها هي أن هناك حاجة ماسة إليه. المشاكل الكبرى تستدعي التعاون الدولي -كما يُظهر الوباء بقوة الآن. يحتاج العالم إلى العمل معاً على اللقاحات، وعلى الانتعاش الاقتصادي ودعم البلدان الأكثر ضعفاً. وقال رئيس برنامج الغذاء العالمي، ديفيد بيسلي، الحاكم الجمهوري السابق لكارولينا الجنوبية، أن التحرك السريع ضروري لمنع “حدوث مجاعات متعددة ذات أبعاد هائلة”. وهناك حاجة أيضاً إلى بذل جهود متضافرة بشأن تغير المناخ، وهو تحد آخر لا يمكن لأي دولة أن تتصدى له بمفردها. كما أن خطر الانتشار النووي آخذ في الازدياد.
الميزة الثانية هي أن الأمم المتحدة تحظى بشعبية. نعم. لقد ارتكبت أخطاء مخزية. وفشلت في منع الإبادة الجماعية في رواندا وسريبرينيتشا. ويُلام جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة على جلب الكوليرا إلى هايتي والاعتداء الجنسي في العديد من الأماكن التي كان من المفترض أن يقوموا بحمايتها. وأدى برنامج “النفط مقابل الغذاء” الذي طبقته الأمم المتحدة في العراق إلى احتيال بقيمة 1.8 مليار دولار. ومع ذلك، تظل هذه الهيئة أكثر موثوقية من العديد من الحكومات، وفقًا لمؤشر إديلمان للثقة للعام 2020. وفي 32 دولة قام باستطلاعها مركز “بيو” للاستطلاعات العام الماضي، كان لدى 61 في المائة من المستجيبين في المتوسط رأي إيجابي تجاه الأمم المتحدة، مقابل 26 في المائة من الذين لديهم وجهة نظر غير تفضيلية. وتفكر غالبية مريحة من الأميركيين بشكل إيجابي تجاهها، على الرغم من وجود انقسام حزبي متزايد: 77 في المائة من الديمقراطيين يوافقون، في مقابل 36 في المائة فقط من الجمهوريين.
وفي استطلاع آخر أجراه العام الماضي مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، قال سبعة من أصل عشرة أميركيين أنه سيكون من الأفضل إذا شارك بلدهم بنشاط في الشؤون العالمية، في ما يقترب من أعلى مستوى مسجل بهذا الخصوص. ويشير هذا كله إلى مكمن قوة أخير لا يجب الاستهانة به: إمكانية إعادة الانخراط الأميركية. ففي نهاية المطاف، تبقى أميركا اقتصادًا هائلاً، وتتمتع بنفوذ أكبر من أي منافسين في القوة الصلبة واللينة على حد سواء. ويمكن أن تكون مرة أخرى الحامل المعياري لنظام عالمي ليبرالي.
سيكون من السذاجة توقع ظهور حماسة مفاجئة للتعددية لدى الرئيس ترامب –بل وحتى بعده. كانت نزعة الشك الأميركية تجاه التشابكات الأجنبية قديمة قدم الجمهورية نفسها. وكان الإحباط من منظمة التجارة العالمية، و”الناتو” وبقية الهيئات يتصاعد حتى قبل أن يستغله ترامب. وتجعل الانقسامات في الوطن، والتي تعمقت تحت رئاسته، من مسألة القيادة في الخارج شأناً أكثر صعوبة. ومع ذلك، فإن فوزاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني (نوفمبر) كفيلاً بأن يكون عاملاً لإعادة تشغيل اللعبة على الأقل، إن لم يكن مغيّراً جذريًا لها. ووعد بايدن في مؤتمر ميونخ الأمني العام الماضي وعداً: “سنعود”.
تريد الأمم المتحدة استخدام الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لإنشائها لإجراء مشاورات كبرى حول مستقبل تعددية الأطراف. وقد اختطف “كوفيد 19” الأجندة العالمية. لكنه يعرض فرصة أيضاً. بدلاً من تدمير النظام، يمكن أن تدفع الاضطرابات الدولَ إلى تعزيزه. وسوف يتطلب ذلك الشروع في التخطيط للمستقبل بينما تتم معالجة أزمة الحاضر. ويحتاج قادة اليوم إلى محاكاة ما حققه أسلافهم بطريقة رائعة في العام 1945.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The new world disorder – Global leadership is missing in action

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock