أفكار ومواقف

الفوضى في أرض الكنانة

مؤلم حقا مشاهدة الحالة السياسية الصعبة التي تمر بها مصر، ومقلق المسار الذي آلت إليه الأوضاع السياسية التي ينقسم في ضوئها المصريون بين فئات متقاتلة متنازعة. وهو ما يحتم على أبناء مصر وأصدقاء الشعب المصري وأشقائه وقفة تاريخية تتجاوز مربع التشخيص والملامة والتشكيك الذي يملأ الفضاء المصري، ويهدد استقرار مصر ومستقبلها.
مصر تعيش مرحلة “التحول إلى الديمقراطية”، وهي من أعقد العمليات والظواهر الإنسانية السياسية على الإطلاق؛ إذ تنطوي على احتمالات ونهايات مستقبلية مفتوحة أمام المجتمعات، إحداها فقط الانتهاء إلى حالة ديمقراطية مستقرة راسخة، تجسد قيمة الديمقراطية بمعانيها المجمع عليها؛ من حكم الأغلبية للأقلية، وتداول سلمي روتيني للسلطة، واحترام حقوق الأقليات. أما النهايات الأخرى المحتملة والمتوقعة للمجتمعات التي تعيش مرحلة “التحول إلى الديمقراطية”، فتتمثل في نوع جديد من الدكتاتورية والتسلط، مختلف عن الحكم السابق، ولكنه لا يحقق الديمقراطية بأي شكل ولا بحدها الأدنى. وهذا ما آلت إليه الثورات العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. أما الاحتمال الثالث فيكمن في الانتهاء إلى الفوضى والانهيار السياسي، وهو الاحتمال الأكثر خطورة، وما حذر منه علماء الديمقراطية تاريخيا، واعتبروه أسوأ من الدكتاتورية التي ما تزال على الأقل تحقق للمجتمعات الاستقرار والأمن، وإن كانت تستبيح حرياتهم المدنية وحقوقهم السياسية.
حالة التحول الديمقراطي المصري ليست استثناء على هذه الاحتمالات؛ فالديمقراطية كما ارتآها وتاق إليها المصريون لم تتحقق بعد، وشبح الفوضى والاقتتال الأهلي بات يتخذ مشهدا مألوفا في مصر. واحتمال أن ننتهي إلى دكتاتورية من نوع جديد وارد، ولا أحد يستطيع إنكاره. لكن الأمل ما يزال معقودا على نخبة مصر المميزة، من مثقفين وقادة رأي، وعلى من قاد تاريخ مصر الحديث الذي لفظ الدكتاتورية؛ في أن يتداعى هؤلاء ويحذروا من شبح الفوضى والدكتاتورية.
والمسؤولية الأكبر تقع على أكتاف قادة السلطة السياسية الإسلامية المنتخبة، والتي لم تكن إلى الآن -إلا في حالات محدودة- على مستوى التحدي، ولم تدرك أهمية إزالة شكوك منافسيها السياسيين، وإشراكهم في تفكيرها وقراراتها ما استطاعت، وأن تنأى الحركة الإسلامية المصرية بنفسها عن لغة الإقصاء أو أي ما من شأنه تعزيز فكرة أن إسلاميي مصر يسعون إلى التفرد بالسلطة، وهم لا يريدون حكما ديمقراطيا كما يقولون، وإنما يستعملون الديمقراطية لترسيخ حكم ديني غير مدني لمصر الحديثة.
من حق السلطة المنتخبة في مصر أن تطبق برنامجها الذي ترتئيه والذي انُتخبت على أساسه. ولكن اللحظة التاريخية تحتاج إلى أكثر من هذه التبسيط؛ فالقرارات والسياسات والتصريحات يجب أن تأخذ بعين الاعتبار تعقيد المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر، وأن تعزز هدف الوصول إلى ديمقراطية راسخة، وتنأى عن كل ما يمكن فهمه على أنه إقصائية. هكذا يتصرف الكبار والمنتصرون في الانتخابات، خاصة إن كانت أول انتخابات. أما التمترس خلف الحقوق السياسية في اتخاذ القرار التي أتاحها الفوز بصناديق الاقتراع، ففي ذلك انعدام للبصيرة السياسية، وتجاهل لضعف عود الديمقراطية المصرية الوليدة التي تهددها الفوضى الأهلية من كل صوب.

[email protected]

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock