أفكار ومواقف

الفيديو المخل والثقب الأسود

يُقال إن من أهم الاكتشافات العلمية التي سجلها العام المنصرم 2019 هو تصوير الثقب الأسود، فقد نجح علماء الغرب في وضع ثمانية تلسكوبات راديوية كبيرة في ثلاث قارات مختلفة، ونجحوا في تصوير الثقب الأسود على بعد خمسة وخمسين سنة ضوئية، تذكرت هذا الانجاز العلمي وأنا أقرأ خبر صاحبنا الذي تبرع بتصوير ونشر الفيديو المخل بالحياء العام الذي انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، وطبعا نزلت لعنةُ السماء والأرض على وسائل التواصل الاجتماعي وأنها هي المسؤولة عن الانحلال الأخلاقي الذي “وصلنا إليه”. والحقيقة أن وسائل التواصل الاجتماعي ما هي إلا “وسيلة” قد خلت من قبلها الوسائل، وهي مثل السيارة والإنترنت وغيرهما، حيث تكون الوسيلة وسيلة خير أو وسيلة شر حسب استخدام الإنسان لها، ولهذا فلا يضير وسائل العلم والتكنولوجيا سوء استخدامها، فطريقة الاستخدام مسألة تتوقف علينا وليس على تلك الوسائل.
ومن جانب آخر فإن حالة الدهشة من السلوكات المرفوضة التي يقترفها البعض، وحلقات اللطم التي تقام على الأخلاق “التي انهارت” أمر غير واقعي، فكل المجتمعات شهدت – حتى في أوقات المرسلين – وتشهد من يخرج عن القانون والأخلاق فيها، وهناك مدرستان للتعامل مع ذلك مدرسة تعلن رفضها لهذه السلوكات وتجلس في حالة نكران للواقع وتكتفي بعبارات الاستنكار والاشمئزاز، ومدرسة ثانية – للآن لم تفتح أبوابها في ديارنا ــ وهذه المدرسة تتعامل مع الظواهر الاجتماعية بالبحث والدراسة وإيجاد الحلول دون دفن الرأس في الرمال آخذين بعين الاعتبار التغيرات الواقعية والإنسانية التي يحدثها مرور الزمن فعمان لم تعد قرية وتكنولوجيا التواصل والاتصال خلقت واقعا جديدا علينا النظر به بكل جدية ومسؤولية، ولكن في كل الأحوال لا يجوز تعميم هذه السلوكات وكأنها إعلان بالانهيار العظيم، ففي ذات الوقت الذي وقعت فيه حادثة الفيديو كان هناك الكثيرون من الشباب والشابات يمارسون أعلى درجات الانضباط الإنساني والأخلاقي ويمارسون حياتهم بعيداً عن خدش حياء الناس ومخالفة القوانين والأنظمة، ومن المعيب تعميم تلك السلوكات وأخذها للحكم على المجتمع عموماً وعلى الشابات والشباب خصوصاً.
وللوضوح نقول إن هذا الفعل فعلٌ شائنٌ ومخالف للقانون باعتباره جريمةٌ مخلةٌ بالحياء العام بالحد الأدنى، كما أن تصويره ونشره وتداوله يقع تحت طائلة القانون أيضاً، فمن ينشر ويتداول هذا الأمر مدان بموجب نصوص القانون، ولكن بعيداً عن القانون فإن التصوير وإشاعة مثل هذه الفيديوهات عمل مدان على جميع الصعد الاجتماعية منها والأخلاقية والدينية، فقد افتخر العرب بقيمة الستر ــ أي ستر عيوب وخطايا الآخرين ــ، وخاصة المتعلقة بالعرض والحياة الخاصة، وقد قال الشاعر العربي: أغض طرفي ما بدت لي جارتي حتـى يـواري جارتـي مأواهـا.
أما من الناحية الدينية، قال تعالى: “لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا” سورة النساء. وقال رسول الله عليه السلام: “.. من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة”.
بشكل عام فإن أغلب الناس يميلون لتجاهل مرجعياتهم “ايديولوجية” كانت أم أخلاقية أم دينية، فالأصل أن يراعي الناس هذه المرجعيات في مثل هذه الحالات، ولكن الواقع يشير أنه في الوقت الذي يتشدق الناس به بمرجعياتهم فإنهم يتخلون عن اتباعها، وهذا في ظني لأن أكثر تلك المرجعيات هي عناصر هوية وتعصب في مواجهة الآخر أكثر منها منهجاً او نهجاً للذات والنفس.
المجتمع حالة نمائية يختلط فيها الخير والشر وإن ما ساء من الأفعال أو السلوكات لا يجوز أن يكون أساسا في الحكم على المجتمع، ولهذا نقول لأصحاب “شوفوا الانفتاح شو عمل فينا”، في يوم ميلاد نبي الله عيسى عليه السلام: “مَنْ كانَ مِنكُم بِلا خَطيئَةٍ، فَليَرْمِها بأوّلِ حجَر”، فاهم علي جنابك؟!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock