أفكار ومواقف

الفيروس الجديد قد عرّى العلاقة الجشعة بين الإنسان والطبيعة

كمّ هائل من المؤتمرات التي عقدت حول العالم في محاولة للبحث عن حلول للتغير المناخي، إلا أن (كوفيد-19) كشف عن محدوديتها في طرق التعامل التقليدية لإيجاد حلول عادلة، وعاد الفيروس ليثير لنا أسئلة صعبة حول العدالة والمسؤولية المجتمعية والالتزام. والآن بعد أن رفعت فترة العزل الصارم في “يوهان” و “ووبي” وعلمنا كيف أدى إلى انحسار تلوث الغلاف الجوي فوقها، وتضاءلت كتل من الهواء الملوث فوق مناطق واسعة من الصين، ومع عودة النشاط التجاري والصناعي فيها، فهل ستعود هذه البلاد الى العلاقة الجائرة من جديد؟ بعد أن أتاحت قيود الحظر للكرة الأرضية وشعوبها فرصة التخلص من هواء رديء ملوث، وإعطاء فرصة للطبيعة والبشر في تجديد الهواء النقي.
وبعد أن استعادت الكرة الأرضية أنفاسها لبرهة قصيرة، إلا أنه تتضح الحاجة إلى اتباع نهج جديد يركز على مبادئ العدالة والأبعاد الأخلاقية لمواجهة الآثار المدمرة للتغير المناخي. ومن ضمن الأمور الأساسية التي يجب أن نتفكر بها حين تعود الحياة نوعا ما على ما كانت عليه ولو أنه من الصعب- وسأكتب هذا- في مقال آخر لا شأن له هنا، إذا علينا التفكر مليا بأن التحدي القائم أمام العالم بعد انقشاع الجائحة الحالية، ليس تحدياً تقنياً فحسب بل أخلاقي أيضاً، والذي يتطلب تحولاً في الأفكار والسلوكيات يؤدي بهيكلنا الاقتصادي والاجتماعي لتوسيع نطاق فوائد التطور على الناس كافة.
إن مبدأ وحدة الجنس البشري والذي بدأت بوادره في التعاون العالمي غير المسبوق، يجب أن يصبح هو المبدأ الحاكم في الحياة على مستوى العالم. فهو يجعل من الممكن النظر إلى تحدي التغير المناخي عبر منظار آخر – منظار يتصور البشرية ككل موحد، لا تختلف كثيراً عن خلايا الجسم البشري والتي ينهشها حاليا هذا الفيروس، وإنما يسعى إلى إعادة صياغة وتشكيل أنماط من التفاعل البشري عفا عليها الزمن واتسمت بكونها غير عادلة، لتحل محلها أنماط أخرى تعكس الروابط والعلاقات التي تجمعنا معا. فبهذه الطريقة نصل إلى التفكير الى أبعد من هذا والتي تسببت في أزمة المناخ، وهي تضييق فجوة الفقر، المساواة بين الجنسين، وما شابه ذلك.
إلا أن علينا أن نقر بالرغم أننا ما زلنا نسير بخطى متعثرة للقضاء على تفشي هذا الفيروس، إلا أنها أعطتنا فرصة لاتخاذ الخطوة التالية في عملية الانتقال من حالة تَعَامُل على الساحة العالمية تتأصل جذورها في الوحدة التي تربطنا كواطنين لعالم واحد، بالإضافة إلى هدف عالمي طويل لخفض الانبعاثات. ستتطلب الاستجابة لما بعد هذه الجائحة تغيرات عميقة على مستوى الفرد والمجتمع ودول العالم. لقد قيل الكثير عن ضرورة التعاون من أجل حل التحدي المناخي، فلا بد لنا أن نبدأ في بناء نموذج جديد يعزز مسؤولياتنا في عالم مترابط؛ ولا بد أن نأتي بمعيار جديد يُقَيَم على أساسه التقدم البشري؛ سنأتي بنوع من الحكم كله وفاء للعلاقات التي تربط بيننا كأعضاء جنس بشري واحد.
ومهما بلغت صعوبة الوضع الاستثنائي الذي تعيشه بلادنا والعالم بأسره في الوقت الحاضر، فإنّنا على يقين بأن الإنسانيّة ستعبُر نفق هذه المحنة في نهاية المطاف، لتظهر على الجانب الآخر من النفق وقد اكتسبت رؤيةً أوضح وتقديرًا أعمق لوحدتها المتأصّلة وترابطها المُتبادَل.
عندها، سيكون علينا بعد تجاوز صدمة كورونا، مراجعة علاقتنا الجشعة بالطبيعة وبالآخرين. فضلا عن أهمية الرعاية الصحية، وتخصيص جزء كبير من موازنات الدول عليها، لأن هذا الفيروس الجديد قد عرّى العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وقال الكثير عنها.

انتخابات 2020
26 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock