أفكار ومواقف

الفيلة والقضية الفلسطينية

يحكى ان مسابقة دولية في الكتابة الابداعية اجريت في بلد اوروبي. في تلك المسابقة التي خصصت لتحديد رؤية الثقافات الانسانية المختلفة للفيلة شارك العشرات من الكتاب والفنانين واهل الادب ممن اعتادوا ترصد مثل هذه المسابقات والدخول فيها.
وما ان اكتمل الحضور وجرى التأكد من اهلية الجميع للمنافسة حتى طلبت اللجنة المشرفة من المشاركين ان يمضوا ساعتين في كتابة مقالة ابداعية عن كيف يرى كل منهم الفيلة. فشرع الجميع بوصف هذه الحيوانات وضخامتها وقوة تحملها وسرعة التهامها للاعشاب والاوراق والثمار واسترسل الكثير منهم في شرح سماتها وخصائصها وفوائدها و ما تعنيه لكل منهم.
وما ان انتهت المسابقة حتى بدأت هيئة التحكيم النظر في العناوين التي اختارها كل واحد من المتسابقين للموضوع، فرصدوا ان الامريكي اختار عنوان ” الفيلة وتمثال الحرية ” في حين وضع الفرنسي “الحب وعلاقاته بين الفيلة” اما الصيني فقد ركز على “الفلسفة الكونفوشيوسية والفيلة” وجاء دور مجموعة الشباب العرب المشاركين فو ضعوا جميعا وبصيغ متفاوتة عنوانا واحد يتناول ” الفيلة والقضية الفلسطينية”.
اسوق هذه القصة مدخلا للحديث عن المزاحمات العربية في الحديث عن القضية الفلسطينية وسعي كل بلد عربي الى ان يسرد فضائله في خدمة القضية واتفاق البلدان العربية على الاختلاف حول كل شيء حتى بقيت فلسطين وشعبها الخاسر الوحيد مع زيادة اعداد المحاورين واللاعبين والمبادرين الذين اصبحوا يتوالدون ويتزايدون ويزاودون عاما بعد عام.
في الوجدان الانساني الذي يمثله الاوفياء والصادقون من ابناء العالم ويتحدث عنه الكوبيون والبرازيليون والارجنتينيون بنزاهة عالية ان هناك اراضي عربية فلسطينية مسلوبة، وشعبا فلسطينيا يسكن عليها لالاف السنين تعرض لعدوان نجم عنه القتل والتعذيب والتشريد وفيما عدا ذلك تفاصيل.
الكثير من الانظمة العربية تسلم ظاهريا بهذه السردية لكنهم يصنعون قصصهم حول الاسباب التي ادت الى ذلك ومرور عشرات السنين على هذا الوضع وخيبة الامة في تحقيق انتصارات حقيقية على العدو المشترك. اليوم وبلا استثناء تعاني كل اقطار الامة ازمات داخلية ادت الى تكالب القوى الداخلية والخارجية عليها ودفعها الى البحث عن من يوفر لها الدعم والحماية ضد التهديدات الداخلية والخارجية.
الولايات المتحدة وحليفتها الصهيونية والاجهزة الاستخباراتية القائمة على خدمتها تعرف اهمية المعلومات وادارتها وتوجيهها كما تعرف جيدا طبيعة المنطقة العربية المرتبكة وعقلية الافراد، فتعرض لهم خدماتها مقابل تقديم خدمات تخدم الاهداف والمصالح الكبرى للقوى الداعمة. على مدار العقود والسنوات الماضية حققت الاستخبارات العالمية اختراقات كبيرة وواسعة في الكثير من البلدان التي غابت عنها الديمقراطية وتبددت ثرواتها في ابواب لا علاقة لها بمستقبل تلك البلدان.
بالمقابل بقيت الاهداف الاستراتيجية لليهود ودولتهم تسمو على كل الزعماء والافراد وكل اختلافاتهم فلا يوجد ما يمنع ان يسجن اولمرت بعد ان كان رئيسا للوزراء على تجاوزاته ولا احد يطالب باعفاء نتنياهو من السجن لارتكابه جرائم الرشوة واستثمار الموقع العام.
القراءة لما يحدث في العالم العربي اليوم تفضي الى استنتاجات يصعب فهمها او وضعها في سياق منطقي يقبله العقل وتسلم به الحواس فهناك الكثير من الزوايا المعتمة والعلاقات المبهمة والتناقضات التي لا يمكن ان تفهم بتوظيف التصريحات العلنية والبيانات الصادرة.
لا افهم كيف سيفضي التطبيع الاسرائيلي مع العالم العربي الى تحسين شروط معيشة الفلسطينين ودفع الاسرائيليين الى صرف النظر عن ضم الاراضي الواقعة تحت سيطرتهم منذ اكثر من نصف قرن. الفوضى والتخريب الذي جرى في ليبيا وسوريا واليمن ويمتد الى تونس، لا تفسير له.
في حالة العالم العربي اليوم، تصبح القضية الفلسطينية عنوانا يتشبث به من لا يجد ما يكتبه او يقوله عن الفيلة.

انتخابات 2020
27 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock