ثقافة

“القادم من القيامة” رواية جديدة لوليد الشرفا تنتقد الارتداد العكسي للمفاهيم والقيم

 


عمان- الغد- صدرت عن مركز “اوغاريت الثقافي” رواية جديدة بعنوان “القادم من القيامة” للدكتور وليد الشرفا، وهي الثالثة بعد نصين روائيين صدر الاول في العام1991، تحت عنوان “محكمة الشعب” في حين صدر النص الثاني في العام1994، تحت عنوان”اعترافات غائب”.


تتشكل بنية الرواية من صوتين بارزين، يفرقهما المكان ويجمعهما الزمن الماضي، في حين يدور تجاذب وخلاف حاد حول معنى الماضي وجدواه وشكل المستقبل الذي سيحكم علاقتهما، ولا ينتهي الحوار إلا بنهاية النص، لذلك فإ التذكار والتداعي يشكلان التقنية السردية الأبرز، التي اتخذت من الهاتف والسينما والاحلام وبعض الرسائل والصور.


أما مبنى الرواية الحكائي فيبدأ منذ لحظة استشهاد أحد الأصدقاء الثلاثة الذين يشكلون الشخصيات الأساسية في النص،هذا الاستشهاد الذي حدث في نهاية الانتفاضة الأولى مزق النسيج النفسي والتاريخي والعاطفي وحتى الوطني فالأصدقاء كانوا نواة للعمل الوطني العسكري، لكن الخيبة والطريقة التي رحل فيها الصديق خلقت حالة من الارتداد العكسي في المفاهيم، فقرر أحد الاصدقاء الهجرة بعد تزامن فراق الصديق مع حالة فشل عاطفي، ومنذ اللحظة الأولى للهجرة واختيار المنفى يبدأ التداعي بفرض نفس شكل العلاقة المستقبلية، أما الصديق الثاني فقرر أن يغيب في الوطن بصفته مطلوبا للاحتلال يحث الاتصال الأول بينهما عندما يعود الصديق المطارد على تساؤل حول الجدوى والهدف والوجود.


يتخذ المبنى الحكائي بعد ذلك تقنية الحوار من خلال الهاتف والتذكار حول من يجب أن يلتحق بالآخر، يصر الصديق المقيم على البقاء رغم ما عانيه من خيبة وألم وتحولات هائلة عصفت بمحيطه، يستمر السرد والحوار على هذا المستوى حتى اندلاع الانتفاضة الثانية، هنا يرتفع الجدل والحوار والتناقض حول الجدوى والغاية وبروز مستجدات سياسية واجتماعية.


ينتهي النص بعودة الصديق المهاجر؛ لكنها ليست عودة رومانسية، بل هي عودة تراجيدية ليس فيها أي معنى للانحياز أو الانجاز بل اخلاص شخصي لمنطق الصداقة والذكريات؛ لذلك يتخذ مشهد العودة أبعادا مأساوية تحكمها المفارقة والجهل فالعائد يستقيل مثل لص ويحضر جنازة صديقه خلسة، وهنا تتحول تقنية السرد الى خليط معقد من الاحلام والهواجس التي يمكن أن يطلق عليها صفة العجائبية.


لذلك حفلت الرواية بمستويات معقدة من اللغة والحورات انسجاما مع اختلاف التجارب والأمكنة والأزمنة تراوحت بين الحوار الفلسفي والعامية الفلسطينية.


على مستوى الرؤية لا تحمل الرواية رؤية نقدية ايدولوجية كما لا تطرح الحلول بالشكل الايدولوجي التقليدي بل هي رؤية معقدة تشبه الواقع نفسه.


وتحيل الى مضامين أسطورية، لانها تعالج الوعي الفلسطيني على مستوى وجودي يتقاطع فيه الفردي مع الجمعي، الرؤية هي تشكيل درجة الخيبة والتراجع وفاجعة ألمت الفلسطيني الذي تحول الى بكائية مزمنة لا تؤدي الى انجاز.


تبعا لذلك يصعب البحث عن صورة تقليدية للبطل بالمعنى الرومانسي الحالم فالبطولة هنا تكمن في استقبال الفاجعة وتحلليها. في تقاطع اسطوري مع البطولات التراجيدية والعبثية ربما. كذلك لاتمارس الرواية هذا الانحياز التقليدي للجماهير باعتبارها مفتاح الحل. بل توجه تعريتها للوعي الجماهيري الذي لا يختلف عن الوعي العام، ان السوداوية التي يحفل بها النص تؤسس لرؤية جديدة في الأدب الفلسطيني.


يذكر أن الكاتب من مواليد العام1973. وهو حاصل على الدكتوراة في تحليل الخطاب. ويعمل استاذا للاعلام والأدب في جامعة بير زيت.


ومن اجواء النص نورد المقطع “الآتي” ظلام، ظلام، ومطر وبرد، وبعض الأضواء الخافتة على أعمدة الكهرباء تظهر رذاذ المطر. الناس هياكل عظمية، وحدها عيونهم تلمع، يمشون سوية على شكل مواكب. صديقي هيكل عظميّ عار تماما، يجلس على كرسيّ خشبيّ أسود، تحمله أربعة هياكل عظمية تغني له. يسقط رذاذ المطر على عظام جمجمته. يسيح المطر ليدخل جحور عينيه. يبتسم ويضحك. الناس يغنون حوله ويرقصون:


كلما ارتفع الصوت والتصفيق ضحك صديقي. الأرض تفور بالدم


والوحل والتراب. يجلس صديقي على منصّة الزفاف، وإلى جانبه تجلس بومة سوداء، وخلفه تصطف القبور ترقص شواهدها وتتمايل. تجلس الهياكل العظمية على الأرض، يأتي طعام العرس، ويوضع في الغرابيل، فيسيل منها المرق على رؤوس حامليها. لحم كثير كثير. تأكل الهياكل العظمية. تجلس البومة إلى جانب صديقي. تتحول القبور إلى أفواه. يمضع الجميع اللحم والمطر والليل والقبور. أشمّ رائحة التراب. قبر جدتي غير بعيد. اقترب منه. أسلّم عليه. يحاول جاهدا الكلام. لا يخرج الصوت. يفتح فكّيه أكثر، ولا يخرج الصوت”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock