أفكار ومواقف

القاعدة الإعلامية

أصبحت التعديلات على حزمة التشريعات المقيدة للإعلام في عهدة مجلس النواب ولا يمكن ردها عمليا، حيث تلتقي في هذا الوقت مصالح فردية ونخبوية تجمع بين عجز البيروقراط الحكومي عن حل عقدة الإعلام المزمنة ومصالح طبقات متنفذة بعضها في البرلمان تدور حولها الشبهات، واستنفرت تحت وقع ضربات الرأي العام ووسائل الإعلام خلال الأشهر الماضية.
المزيد من القيود على الحريات الإعلامية التي تضاف إلى أكثر من عشرين قانونا تتدخل في الشأن الإعلامي، تخلق المزيد من التعقيد في المشهد الإعلامي، وبالتالي لا توفر بيئة ملائمة وجادة نحو الإصلاح السياسي. وما يحدث اليوم لا يزيد على إضافة المزيد من الأسباب لإضعاف المهنية الإعلامية وجودة المحتوى، وهي بؤرة الضعف التقليدية التي تسربت الرداءة الإعلامية منها، وأخذت تحتل مساحة لا بأس بها، فيما يعاقب اليوم الإعلام المهني عنها ويدفع الثمن  مضاعفا.
يبدو أن الطريق إلى جهنم مزروعة بالنوايا الحسنة؛ فثمة حاجة موضوعية لوضع حد للممارسات الإعلامية التي لا تتمتع بالحد الأدنى من الالتزام بالقواعد المهنية والمبادئ الأخلاقية، والتي ازدهرت مؤخرا بفعل غياب التنظيم الذاتي وتدني الكلف وسهولة الوصول إلى الجمهور. وكما هو معروف، فإن مبررات الحكومة للذهاب إلى البرلمان بتشريعات مقيدة للحريات يرجع إلى ممارسات بعض المواقع الإعلامية الالكترونية وبعض الإذاعات، وحالة الانفلات التي وصلت إلى نشر خطاب الكراهية وتوزيع التهم والابتزاز واغتيال الشخصية.
حكاية الانفلات والتقييد الإعلامي في الأردن، باختصار، تشبه تنظيم القاعدة المعروف؛ فمنذ بدء التحول الديمقراطي وازدهار الصحافة، دخلت على الخط مباشرة مراكز حكومية وشبه حكومية وقوى سياسية وجهات أمنية ورؤوس أموال خاصة ومشيخات سياسية طامحة يبحث كل منها عن منبر إعلامي، واستثمرت آنذاك في الصحافة الأسبوعية بالدعم غير المباشر وبالرعاية، وبتوفير الضمانات والامتيازات. ولاحظنا كيف دخل إلى سوق الصحف الأسبوعية قادمون جدد لا علاقة لهم من قريب ولا من بعيد بالإعلام والمهنية، ولاحظنا المسار الذي ذهبت به الصحافة الأسبوعية آنذاك. الحكاية تكررت بعمق أكثر مع العديد من المواقع الالكترونية وبعض الإذاعات التي وجدت الرعاية من جهات رسمية وغير رسمية، وحينما نمت وازدهرت لسبب وحيد لا غيره، وهو أنها قدمت إعلاما بديلا نتيجة العجز الرسمي عن توفير بيئة صديقة للإعلام المهني لممارسة دوره بحرية وكفاءة، أصبح بعض هذه الوسائل البديلة أداة للتعسف بالحرية، فيما يبدو أن بعض الأيدي التي كانت ترعى هذه الوسائل فقدت الخيوط التي طالما حركت من خلالها الأجندات والمصالح السياسية والاجتماعية، ما زاد من حجم التعسف والابتزاز.
مشاكل وأزمات الحريات الإعلامية في كل تجارب التحول الديمقراطي الناضجة كانت تعالج بالمزيد من الحرية وليس بالمزيد من القيود، وبتعليم الناس أن الحرية المستقلة هي الدرب الآمن لتعلم المسؤولية. ولعل واحدة من أقسى التجارب المعاصرة لردع انفلات الإعلام في نشر الكراهية والابتزاز ما حدث في البوسنة وفي بعض الدول الأفريقية، والتي لم تنضج إلا بالحرية والتنظيم الذاتي والانتصار لقيم المهنية.
تنظيم القاعدة على ذمة التاريخ هو غرس أميركي، انفلت من السيطرة وقاد الى الحرب على الإرهاب؛ أسوأ حروب التاريخ المعاصر في نشر الكراهية وضرب حقوق الإنسان، والإعلام الأردني بالتأكيد بريء من هذا الوصف. لا يوجد في الأردن من يقود إلى حرب كراهية على الإعلام!

تعليق واحد

  1. صناعة حكومية
    معظم المواقع الاعلامية الاليكترونية مدعومة من قبل الحكومة واجهزتها على مدى عشر العقود الماضية هي التي زرعتها وسمدتها مثلما اشار الكاتب كما فعلت امريكا بالقاعدة وانقلب السحر على الساحر اذ انقلب واللهم اعلم

  2. من السبب
    نعم"لمزيد من القيود على الحريات الإعلامية التي تضاف إلى أكثر من عشرين قانونا تتدخل في الشأن الإعلامي، تخلق المزيد من التعقيد في المشهد الإعلامي، وبالتالي لا توفر بيئة ملائمة وجادة نحو الإصلاح السياسي" للاسف تريد الحكومات اعلام تتطبيل لانجازاتها الهشة والطبطبه على الفساد وتبجيل المسؤولين وغض الطرف عن الاقتصاد الوطني والسياسه العام والمديونية التي تكبل الاردنيين حتى الاجنة في بطون امهاتهم ، وبالتالي نقبل بالامر الوقع ونصفق .!!! لا يمكن ان يكون الاصلاح في ظل تعتيم اعلامي وتكمييم الافواه.

  3. عنوان التعليق
    أحب قراءة الصحف الاردنية لان أجد بها الإثارة سواء حكومية أو خاصة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock