أفكار ومواقف

القاعدة الضريبية في الأردن ليست ضيقة أبدا

جواد عباسي

أصدر منتدى الإستراتيجيات الأردني تقريراً حول الجانب الضريبي لسياسة المالية العامة في الأردن بعنوان “من هم دافعو الضرائب في الأردن؟” في بداية الشهر الماضي.

فيما يقدم التقرير تفصيلا وافيا عن مصادر كافة الإيرادات الضريبية في الأردن ينتهي باستنتاج أن “القاعدة الضريبية ضيقة، حيث يسهم عدد محدود من مؤسسات القطاع الخاص والأفراد بالحصة الأكبر من إجمالي الضرائب”.

أرجو أن يتسع صدر الأصدقاء في منتدى الاستراتيجيات الأردني للقول بأن هذه الخلاصة غير دقيقة أبدا. وربما كانت ستكون أدق لو كان الحديث فقط عن ضريبة الدخل والتي تشكل فقط 22 % من إجمالي الإيرادات الضريبية كما تعرفها الحكومة.

لكن أي حديث وتحليل عن القاعدة الضريبية يجب أن يشمل كل تفاصيل الوعاء الضريبي الأردني.

يتحدث التقرير مثلا عن الموظفين والمستخدمين في الأردن ويقول إن 85 % من المسجلين في الضمان الاجتماعي رواتبهم أقل من 700 دينار شهريا، وبالتالي لا يدفعون ضريبة دخل.

هذا صحيح لكن التقرير يغفل أن الضمان الاجتماعي أيضا هو ضريبة راتب payroll tax تصر الحكومة في الأردن على عدم احتسابها في العبء الضريبي مخالفين فيها كل الأدبيات الاقتصادية.

فراتب 700 دينار يستحق عليه 21.75 % اقتطاع ضمان أي حوالي 152 دينارا شهريا منها حوالي 52 دينارا من الموظف و100 دينار من صاحب العمل.

الأدبيات الاقتصادية كلها تصنف الضمان كضريبة وهذا طبيعي ومنطقي: فهو إلزامي على الموظف وصاحب العمل، وصاحب العمل يدفع ثلثي الاقتطاع بدون أي فائدة مباشرة له.

كذلك فإن نسبة كبيرة من المشتركين لا تصل إلى التقاعد، بل يأخذون تعويض الدفعة الواحدة التي تكون أقل بكثير من الاقتطاعات التي وردت عن رواتبهم.

كذلك فان ضريبة المبيعات شكلت 71 % من إجمالي الإيرادات الضريبية في الأردن وتجاوزت 3.5 مليار دينار في 2020.

صاحب راتب 700 دينار في الأردن إذا دفع 50 دينارا للبنزين وشحن هواتف عائلته الخلوية ب 30 دينارا ودخن ب 30 دينارا شهريا، يكون قد دفع حوالي 50 دينارا ضرائب استهلاك، فقط، لهذه البنود الثلاثة. أي 7 % من دخله.

فيكون العبء الضريبي على راتبه- مع اقتطاع الضمان- قد وصل إلى حوالي 30 % من دون حساب أي مصاريف أخرى.

الحقيقة أن القاعدة الضريبية في الأردن واسعة للغاية كونها تعتمد أساسا على ضرائب المبيعات ناهيك عن الرسوم المختلفة التي يتجاوز تحصيلها كلفة تقديم الخدمة فتصبح حقا ضرائب مخفية تحت تسمية رسوم.

والعبء الضريبي الإجمالي في الأردن أيضا تنازلي نسبيا يدفع فيه الأقل دخلا نسبة أعلى من دخله كون العبء الضريبي الكلي يتأتى أساسا من ضرائب الاستهلاك.

نحتاج في الأردن الى نظرة شمولية الى الوعاء الضريبي للدولة تركز على إعادة الثقة بين دافعي الضرائب- وهم حقا أغلبية الشعب- وبين الحكومة.

وهذا أهم من تقارير تركز حصرا على ضريبة الدخل متناسية باقي العبء الضريبي العالي.

فنحن نعلم أن حكوماتنا- خصوصا عندما تكون خارج رقابة صندوق النقد- فعالة جدا في إيجاد نفقات جارية لأي تحصيل ضريبي جديد على نظام “الطايح رايح”!

للتذكير مثلا بين 2004 و2010 زادت الايرادات المحلية للحكومة 12.5 مليار دينار عن مستواها في 2003.

وفي ذات الفترة زادت النفقات الجارية للحكومة بأكثر من 13 مليار دينار. كلها نفقات ومصاريف جارية مهدورة لا مشاريع رأسمالية تنموية.

هل نتفق على نظرة شمولية فاحصة للعبء الضريبي الأردني؟ ربما تشمل التالي:

حسابا موضوعيا لكل العبء الضريبي الحقيقي بدون اجتزاء.

أن لا يزيد العبء الضريبي الكلي عن 30 % من حجم الاقتصاد بأي شكل من الأشكال.

العمل نحو ضمان أن يكون العبء الضريبي أكثر عدلا على الطبقات المتوسطة والفقيرة عبر معالجة أثر ضرائب الاستهلاك عليهم.

وفي هذه النقطة يمكن النظر باستخدام نظام رديات ضريبة المبيعات بشروط معينة تشمل مثلا وجود فاتورة رسمية وان يكون الدفع عبر البطاقات البنكية او المحافظ الإلكترونية لضمان تسجيل الإيراد.

ويمكن البدء في قطاعات خدمات معينة معروف عنها التهرب من توريد ضريبة المبيعات.

فالنجاح في توسيع قاعدة موردي ضريبة المبيعات سيعني زيادة التحصيل منها مع كسر تنازليتها عبر نظام الرديات.

ومع وجود حد أقصى للعبء الضريبي الإجمالي قد يكون توسيع قاعدة موردي ضريبة المبيعات من قطاع الخدمات (مطاعم ومقاهي مثلا) مدخلا الى تقليل نسبة الضريبة مستقبلا.

شمول المحتوى الإلكتروني (مثل إعلانات فيسبوك وغوغل واشتراكات نتفلكس وشاهد وغيرها) بضريبة المبيعات الأردنية تماما كإعلانات الصحف المحلية والشركات المحلية.

فهذا هو العدل بعينه وسيساهم في توسيع قاعدة توريد ضريبة المبيعات.

التأكد من تنافسية العبء الضريبي الأردني مع دول الإقليم كي لا يختار القادرون التقاعد أو الهجرة خارج الأردن.

الاستمرار والتوسع بإعفاء أرباح الصادرات من ضريبة الدخل بحيث يكون الإعفاء عاما بدون تشويهات أو تمييز كون هذا الموضوع من أهم حوافز جذب الاستثمار إلى الأردن وتنافسيتنا مع دول الإقليم.

بحيث تعفى أرباح الصادرات من ضريبة الدخل لكل الخدمات والسلع والبضائع شريطة أن لا تكون تستخدم موارد ناضبة أو شحيحة.

أي إعفاء أرباح صادرات الخدمات الاستشارية والصناعات الدوائية وصناعات المنظفات مثلا لكن بدون إعفاءات لصناعات الإسمنت أو التعدين أو الزراعة المروية على سبيل المثال لا الحصر.

في الضريبة على الزراعة موضوعنا شائك وغريب. حاليا نفرض رسوما باهضة على الزراعة الموجهة للاستهلاك المحلي تزيد من كلفتها على المواطن وتضر المزارع فيما نعفي الصادرات الزراعية من كل الرسوم والضرائب. أي أننا ندعم تصدير مياهنا الناضبة!

ففي ضوء شح المياه في الأردن من غير المنطقي إعفاء صادرات المحاصيل المروية من أي رسوم أو ضرائب فيما يتم فرض الرسوم على المحاصيل التي يأكلها الأردنيون.

ولنعتبر الرسوم على المصدر من المحاصيل المروية نوعا من تغطية كلفة دعم مياه الريّ التي تباع بسعر قليل نسبيا.

وربما أيضا تكون الرسوم على المحاصيل المروية المصدرة تصاعدية بحسب نوع المحصول واستهلاكه من المياه.

فتكون صفرا على المحاصيل البعلية وتزيد على المحاصيل المرويّة بحسب استهلاك الصنف من المياه.

المطلوب إلغاء كل الرسوم على الزراعة الموجهة للاستهلاك المحلي واستبدالها برسوم على الزراعات المرويّة المصدرة.

المقال السابق للكاتب

أموال الضمان: نتائج استثمارية ممتازة وتلاشي الفائض التأميني

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock