ترجمات

القاعدة و”داعش”.. عداء فكري ووجودي

تقرير خاص – (أحوال تركية) 4/10/2020

باريس – ينظر الغرب إلى تنظيمي “داعش” والقاعدة على أنهما يخدمان الهدف الأسمى نفسه، المتمثل بفرض الشريعة الإسلامية عن طريق العنف في العالم أجمع، لكن التنظيمين في الواقع غريمان فكريان لا يلتقيان. وهما في الميدان عدوان يسفكان دماء بعضهما بعضا.
في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، نفذ تنظيم القاعدة الهجوم الأكثر دموية في التاريخ على برجي التجارة في نيويورك، والذي أسفر عن مقتل 3 آلاف شخص.
وبين العامين 2014 و2019، أعلن تنظيم “داعش” عن إقامة دولة خلافة في العراق وسورية قبل أن يمنى بالهزيمة تحت ضغط ضربات التحالف الدولي.
وقد هيمن التنظيمان بذلك على الساحة الجهادية العالمية منذ سنوات، لكن بينهما منازعات تؤدي أحياناً إلى أن يكرسا طاقاتهما في قتال بعضهما بعضا، وليس في خدمة تحقيق هدفهما النهائي.
في مثال حديث على ذلك، نشر تنظيم “الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا” مقطع فيديو يظهر رجالاً يذبحون مقاتلين تم تقديمهم على أنهم عناصر في “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، وهي أحد فروع تنظيم القاعدة، معلنين قتل 52 منهم.
في مقال نشر في مجلة “سي تي سي سانتينل”، يعتبر محمد حافظ، الأستاذ في جامعة مونتيري في كاليفورنيا، أنه كان ينبغي أن تقود حدة المعارك مع الجيوش العربية والغربية إلى توحيد التنظيمين. ولكن، بحسب حافظ “في الواقع واعتباراً من العام 2013، دخلا في العمق في دورة عنف أخوي في مناطق نزاع متعددة، بدءاً بسورية ثم ليبيا، وصولاً إلى اليمن وأفغانستان”، ومؤخراً، في الساحل الإفريقي.
غالباً ما تكون أسباب المعارك بين الفروع التي تبايع أحد التنظيمين غير هامة، كالاختلاف مثلاً على السيطرة في منطقة ما، أو التحكم بحركة السير، وإعادة توزيع المناصب بعد وفاة قياديين كانوا متفاهمين فيما بينهم.
لكن الخلاف بينهما إيديولوجي أيضاً. ففي نيسان (أبريل) الماضي، نشر تنظيم “داعش” مقطع فيديو مدته 52 دقيقة مخصصا بشكل أساسي لاستعراض ما سمي بـ”انحرافات” تنظيم القاعدة.
يشرح توماس جوسلين من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهو مركز أبحاث مقره في واشنطن، أن “الخلافة المعلنة بشكل ذاتي أنشأت كرهاً مؤسسياً هاماً تجاه القاعدة”، مضيفاً أن الجماعتين تجدان أحياناً نقاط تلاق معينة، لكن تحقيق “مصالحة شاملة ليس بالأمر المرجح على المدى القصير”.
من أين تأتي كل هذه الكراهية؟ يبدو أن المسألة في البداية هي مسألة أولويات.
كتب ناتانييل بونتيشيلي في المجلة الدولية والاستراتيجية الصادرة عن معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس أن “القاعدة يعد تدمير الغرب شرطاً مسبقاً لإنشاء دولة إسلامية”. أما تنظيم “داعش” من جهته فيضع “تأسيس الخلافة في ‘الأراضي المحررة’ كشرط مسبق لخوض المعارك التي ستسمح بضرب العدو في الصميم”، وفق بونتيتشيلي.
يستحوذ تنظيم “داعش” أيضاً على شرعية حصرية في معاقبة “الكفار”. ويشير محمد حافظ في هذا الصدد إلى التعارض بين “طهرانية” تنظيم “داعش” و”شعبوية” تنظيم القاعدة. ويوضح أن “تنظيم الدولة الإسلامية يمثل رؤية حصرية ولا تقبل المساومة عن الجهاد، فيما حولته القاعدة إلى حركة إسلامية عالمية شاملة وبراغماتية وشعبوية”.
ويريد تنظيم “داعش” أيضاً فرض تمييز أخلاقي نقي تماماً بين الخير والشر، في حين أن “القاعدة” يسمح بالتعامل مع السكان والجماعات الأخرى، وحتى الدول. ولذلك يتفاوض تنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين” بقيادة إياد أغ غالي مع الدولة المالية، كما تفعل طالبان -على سبيل المثال- مع الحكومة الأفغانية.
وتمكن ملاحظة أوجه الاختلاف هذه في طريقة تواصل التنظيمين مع العالم الخارجي. غالباً ما تتألف مقاطع الفيديو القليلة التي يبثها “القاعدة” من مواعظ أو خطب طويلة، تحتاج متابعتها إلى تركيز، كما تشير لورانس بيندير أحد مؤسسي “جي أو إس بروجكت”، وهو منصة لتحليل الدعاية المتطرفة على الانترنت.
وتوضح أن “لا عنف شديداً فيها. توجد رغبة في عدم تنفير السكان المحليين، وكسب ‘القلوب والعقول’”، مستخدمة التعبير الغربي الشهير المطبق في إطار مكافحة التمرد.
وعلى العكس من ذلك، كما تضيف بيندير، فإن “تنظيم الدولة الإسلامية لديه استراتيجية تجنيد في كل اتجاه. لذلك يسعون لأن يكونوا منتشرين” باستخدام استراتيجية تواصل موحدة في أنحاء العالم كافة.
ويجمع الخبراء على أن هذه الحروب الداخلية التي أسفرت، وفق محمد حافظ، عن مقتل 300 جهادي في منطقة الساحل منذ تموز (يوليو)، لا تخدم معركة مكافحة الإرهاب.
منذ 20 عاماً، وعلى الرغم من تعبئة الجيوش والقدرات الغربية والعربية، لم تكفّ الحركة الجهادية عن الاتساع والتمدد. ويشرح حافظ أنه “في حين يواجه المجتمع الدولي حركة عالمية متمركزة في أفغانستان (القاعدة)، يوجد فرعان نشطان اليوم في عدد من الدول والمناطق” في العالم.
وعلى المستويين العالمي والمحلي على حد سواء، يتنافس التنظيمان على كسب تأييد المقاتلين وجذب اهتمام الإعلام، مستخدمين، كوسيلة أساسية وفتاكة، التصعيد والتصعيد المضاد.
وفي حديث عن منطقة الساحل، يشير إيلي تينينباوم، الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، إلى “وجود نوع من المحاكاة بينهما، بشكل غير إيجابي مطلقاً، لا سيما وأنه لا خطر في أن ينفد الطرفان من المقاتلين”.
وأضاف: “بقتالها، ترسي الجماعات هيمنتها عبر كسب أراض جديدة”، وهي بذلك “تقوض مصداقية الدول التي تراقب تسوية الحسابات بين المجموعات المسلحة على أراضيها من دون أن تتمكن من الرد”.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock