أفكار ومواقف

القانون والبعد الإنسانيّ

شكلت الطبيعة البشرية ومدى قدرتها على الوصول إلى تطبيق العدالة وقيم الحق سؤالًا محوريا في مسيرة الإنسانية، هذه المسيرة التي شابها ظلم وطغيان كبيران وفي الوقت ذاته وجدت قيم الحق والإنصاف مكانها في مواطن عديدة، وإن كان المشهد السائد هو فقدان بوصلة الحق والعدالة في أحوال وأماكن كثيرة.
تطبيق القانون وآلية فهم النصوص ومدى تطابقها ونظرية الحق شكلت معضلةً تاريخية، ما زالت تفرعاتها حاضرة إلى يومنا هذا. في هذا المنحى محاولات الإجابة عن هذا التساؤل الوجودي عرضها الفقه القانوني، وقد يكون الكاتب منذر الشاوي في «تأملاته في فلسفة حكم البشر» قد ناقش المسألة مطولًا، وأفرد لها مساحة واسعةً، وطرح أسئلة كثيرة تتسم بالجرأة القانونية وقد يكون أبرزها السؤال الآتي، «لكي تتحقق العدالة، ألا يكفي أن يطبق القانون الوضعي، لأنه يمثل قمة الحكمة كما قيل، أم أن القضاء يجب أن يتحرر من عبادة النص ويطبق القانون تطبيقًا هادفًا لتحقيق العدالة؟».
سؤال عميق يجيب الكاتب عنه بعد سلسلة من الجدالات الفكرية والتاريخية بأنّ القضاء لكي يحقق العدالة في تطبيقه للقانون يجب أن يعطي القانون بعده الحقيقي، أي بعده الإنسانيّ، فالقانون هو للإنسان ومن وضع الإنسان… هذا يعني أن على القاضي أن يضع القضايا التي ينظرها في بعدها الإنساني الحقيقي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنفسي، ليدرك بُعد العلاقة ثم بُعد المشكلة محاولا حلها متكئا على القانون ومنطلقا من الواقع الإنساني للعلاقة القانونية، ليكون حكمه إنسانيا أي حكما عادلا؛ فمعالجة ما تثيره العلاقة القانونية من مشاكل بسبب تنفيذها أو عدم تنفيذها، لا يمكن أن تكون مجرّدة أو بمعزل عن الواقع لأطراف القضية… فالقانون يجب أن لا يطبق آليًا، وإلا نكون قد جردنا القانون وجردنا القاضي من حكمه أو قراره الإنساني أيَ العادل…
بالرغم من أنّ الاتجاه الفقهي السابق والاتجاهات الأخرى المماثلة أو المشابهة قد تكون موضع جدلٍ لدى البعض، إلا أنّها تستدعي التوقفَ مطولًا أمام هذا الفهم العميق لفلسفة القانون ووظيفته الأساسية في بناء دولة الحق، وفي التماس مختلف السبل المؤدية إلى طريق العدالة، طريق العدالة المؤدي إلى بناء مفهوم الأمن القانونيّ لدى الأفراد الذي من شأنه أن يخلق الإيمان الراسخ لديهم بأن القانون جاء حمايةً لهم ولحقوقهم وحرياتهم ولم يأت لينتقص منها بغطاء قانوني شرعيّ مهما خالف القانون النافذ منطق الحق والعدالة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock