آخر الأخبار-العرب-والعالمالعرب والعالم

القرار الفلسطيني بإلغاء الاتفاقيات مع الاحتلال على محكّ جدية التنفيذ

تحليل سياسي

نادية سعد الدين

عمان- يقع قرار القيادة الفلسطينية بالتحلل من الاتفاقيات والتفاهمات المبرمة مع الجانبين الأميركي والإسرائيلي، ومن الالتزامات المترتبة عليها، على محكّ جدّية النفاذ، وذلك عند نقله من حيز الإعلان إلى الترجمة الفعليّة، في ظل شكوك “تكتنف مسألة القدرة على المضي بمساره”، بحسب أطراف فلسطينية.
ويأتي التحرك الفلسطيني الأخير رداً على قرار الاحتلال تنفيذ مخطط ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية، والذي يحرم الفلسطينيين من أرضهم ويمنعهم من إقامة دولتهم المستقلة المنشودة وعاصمتها القدس المحتلة وفق حدود العام 1967.
ويشمل القرار الفلسطيني وقف العمل باتفاق باريس الاقتصادي، وبالتنسيق الأمني مع الاحتلال، الذي يعد من أبرز الاتفاقيات الواقعة تحت مظلة “أوسلو” في ظل وجود نحو 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية، بما يجعل آلية التنفيذ تواجه تحديات ليست سهلة.
واعتبرت حركة “حماس” أن “تجديد إعلان التحلّل من اتفاقية أوسلو وما يترتب عليها من اتفاقيات أمنية وسياسية، توجّه يحتاج إلى ترجمة حقيقية على الأرض عبر خطوات واضحة ومحددة”.
وحثت على عقد اجتماع الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير أو أي اجتماع آخر يضم الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، لبحث استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة التحديات الخطيرة المحدقة بالقضية الفلسطينية.
إلا أن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، لفت إلى أن القرار “دخل حيز التنفيذ بشكل فوري وبمجرد إعلان الرئيس عباس عنه”.
ولم يكن قرار الرئيس عباس بإلغاء الاتفاقيات مع الاحتلال فريداً من نوعه؛ حيث تواتر سابقاً بصيغ مختلفة، فيما اتخذ المجلسان، المركزي والوطني، الفلسطينيان على مدار السنتين الماضيتين أكثر من قرار بنفس الاتجاه، ولكن دونما تنفيذ.
وقال خبير القانون الدولي، الدكتور أنيس قاسم، إنه “ليس مؤكّداً أن تلغي القيادة الفلسطينية اتفاقياتها، لا مع الاحتلال الإسرائيلي ولا مع الولايات المتحدة”، معتبراً أن “مواقف الرئاسة الفلسطينية تتذبذب بشأن الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال، حيث أدرك الخصم أن هذه التهديدات بالممارسة ليست جديّة، وأنها نوع من الحرب النفسية”.
ورأى أن “على القيادة الفلسطينية أن تمارس الشجاعة الكافية باتخاذ الموقف الحاسم، فإن لم تكن قادرة على اتخاذ الموقف الصلب في الخروج من نفق اتفاقيات أوسلو وبروتوكولاته، فعليها التنحّي وفسح المجال لقيادة منتخبة تعبّر عن طموح شعبٍ لا يزال يعشق النضال”.
وأشار إلى أنه “لا جدال في أن إلغاء هذه الاتفاقيات خطوة مهمة وبداية موفقة، ولكن كان يجب أن يكون الإلغاء قد حصل قبل عشرين عاماً أو أكثر، أي حين ثبت للقيادة الفلسطينيين أن الإسرائيليين يتفاوضون بسوء نية، وأن أي مفاوضات تقوم على سوء نيّة، أي من الطرفين، مدعاة للانسحاب منها، مهما كانت النتائج”.
كما كان من الأولى، بحسب قاسم، أن “تتخذ القيادة الفلسطينية مثل هذه الخطوة، حين مارست الولايات المتحدة قرصنة الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، ونقلت سفارتها تأكيداً لاستخفافها بالقيادة الفلسطينية، وحينما تم الإعلان عن ما يسمى “بصفقة القرن” التي لم تأتِ على ذكر “حقوق” الشعب الفلسطيني، ولو مرة واحدة، بل كان إعلان استباحة مطلق لكل ما يتعلق بفلسطين، أرضاً وشعباً”.
وقال إن “الضم الإسرائيلي حصل منذ سنوات عديدة”، لافتاً إلى أن “منطقة الأغوار، التي تشكل نحو 30% من الضفة الغربية، أخرجتها اتفاقيات أوسلو من المنطقتين “A” و”B”، وظلت في المنطقة “C” الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، فيما يسيطر زهاء 15 ألف مستوطن، بحماية الاحتلال، على الموارد المائية والطبيعية الغنية فيها”.
مصير السلطة الفلسطينية
ويثير القرار الفلسطيني تحدياً خاصاً بمصير السلطة الوطنية؛ في ظل مواقف فلسطينية تدفع باتجاه “الحل”، بوصفه مسنوداً قانونياً، حيث تستطيع منظمة التحرير اتخاذ قرار فردي بشأنه بدون أن تترتب عليها أي تبعات أو التزامات قانونية، وذلك للعودة إلى مربع ما قبل اتفاق أوسلو وتحميل الاحتلال مسؤولياته مباشرة وإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني.
وبالنسبة لذلك المنظور؛ فإن مسار أوسلو خلق مأزقاً ناجماً عن عدم الاتفاق على قضايا الوضع النهائي، وتأجيلها إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، وإصرار الاحتلال على تحكيم الخلل في عملية فرض تسوية مرفوضة لا تحقق الحدّ الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني في التحرير وتقرير المصير، مما أحدث مأزقاً حرجاً وأوضاعاً متدهورة في الأراضي المحتلة، ومساراً تفاوضياً متعثراً حيناً وجامداً أحياناً، رغم متوالية المؤتمرات والاتفاقيات التي لم تفض إلى شيء.
ومع ذلك؛ فإن الوقائع على الأرض والمعطيات السياسية المعاكسة تجعل “للحل” حسابات أخرى، ومواقف فلسطينية متنقلة بين تأييده مقابل الدعوة “للمراجعة الوظيفية” وإعادة صياغة العلاقة مع الاحتلال.
وبالنسبة لمناصري “بقاء السلطة”، فإنها تشكل لديهم إحدى روافع إنهاء الاحتلال ونواة الدولة المنشودة، وسط تحديات محدقة بقرار “الحل”، تتمثل في شبكة المصالح والارتباطات المالية والسياسية والأمنية المعقدة التي تشكلت بين السلطة وسائر الأطراف الدولية والإقليمية، ومع سلطات الاحتلال.
بينما يتطلب حلها إيجاد بدائل للمنح والمساعدات الدولية، وللخدمات التي تقدمها في الأراضي المحتلة، والوظائف التي تشمل نحو 172 ألف موظف من مدنيين وعسكريين، عدا عن تبعات التشييع الرسمي للعملية السلمية رغم جمودها الراهن، وإحالة المهام للمنظمة التي تعاني إشكاليات ومطالبات بإعادة تفعيلها، وتغيير المعادلة التي استقر عليها الصراع العربي- الإسرائيلي، وخلق تداعيات سلبية لن يتمكن الجانب الفلسطيني من مواجهتها في ظل الانقسام الوطني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock