ترجمات

القس دون فاغنر: عن الصهيونية المسيحية والقضية الفلسطينية -(2-1)

دون فاغنر – (تقرير واشنطن عن شؤون الشرق الأوسط) عدد أيار (مايو) 2022

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فيما يلي ترجمة نص الكلمة التي ألقاها القس دون فاغنر في المؤتمر الذي عقده “الاتحاد التعليمي الأميركي” في 4 آذار (مارس) 2022 في “نادي الصحافة الوطني” في واشنطن، تحت عنوان “تجاوز اللوبي الإسرائيلي في الداخل والخارج” Transcending the Israel Lobby at Home and Abroad، وضم عدداً من المتحدثين الذين تناولوا مختلف العناوين حول إسرائيل واللوبي الإسرائيلي. وصدرت أوراق المؤتمر في طبعة خاصة من مجلة “تقرير واشنطن عن الشرق الأوسط” في أيار (مايو) 2022.

**

ديل سبروسانسكي:‏‏ دون فاغنر هو المدير المتقاعد مؤخرًا لمنظمة “أصدقاء سبيل في أميركا الشمالية”. وكان قبل ذلك أستاذًا لدراسات الشرق الأوسط في جامعة نورث بارك؛ حيث عمل أيضًا مديرًا لمركز دراسات الشرق الأوسط التابع لها.

وهو أيضا مدير سابق لـ”حملة فلسطين لحقوق الإنسان”. وهو قسيس مشيخي مرسَّم، خدم في كنائس في نيو جيرسي وإيفانستون بولاية إلينوي. وهو مؤلف مشارك لخمسة كتب، أحدثها هو “‏‏المجد لله في ‏‏الدُّنا: رحلات إلى أرض غير مقدسة‏‏”.
سوف يناقش دون التأثير واسع النطاق للصهيونية‏ المسيحية، وردود الفعل الارتدادية المتزايدة عليها داخل الكنائس الأميركية.‏‏ وكنا قد ناقشنا هذا الموضوع مرة أخرى في مؤتمرنا مع توماس غيتمان. وأنا متأكد من أن دون جدير بمتابعة وتوسيع ذلك الحديث. وإذن، أهلاً وسهلاً بك يا دون.‏

مقاتل سابق في مجموعة فاغنر يتحدث عن تجربته

دون فاغنر:‏‏ شكرًا لك يا ديل. شكرًا لجميع فريقكم ولكم جميعًا. اسمحوا لي أن أبدأ بمقالة قصيرة صغيرة حصلت عليها من صديقتنا ماري نيزنيك Mary Neznek منذ حوالي ساعتين. وهي تتعقب قضية الصهيونية المسيحية.
دون فاغنر:‏‏ شكرًا لك يا ديل. شكرًا لجميع فريقكم ولكم جميعًا. اسمحوا لي أن أبدأ بمقالة قصيرة صغيرة حصلت عليها من صديقتنا ماري نيزنيك Mary Neznek منذ حوالي ساعتين. وهي تتعقب قضية الصهيونية المسيحية.

ولم أكن قد رأيتها لأنني لم أكن أتابع الأخبار. ولكن يوم الأربعاء، 2 آذار (مارس)، قدم بات روبرتسون Pat Robertson، وهو صهيوني مسيحي لا يصدَّق، تنبؤاً جديداً آخر. قال إن الله يستخدم (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين لتمهيد الطريق لهرمجيدون، المعركة الأخيرة عندما تأتي قوات المسيح الدجال -ربما يلمح إلى أن بوتين هو المسيح الدجال، لا أعرف- وتهاجم إسرائيل للإيذان بالمجيء الثاني ليسوع في المعركة الأخيرة من التاريخ.


لقد نشأت مع هذا. بجدّ، عندما كنت طفلاً صغيرًا، كان هذا ما اعتقدَت به أمي حتى يوم وفاتها في سن الخامسة والتسعين. “قل لي، يا دون”، كانت تقول: “لماذا تعمل على تحقيق العدالة لفلسطين؟ هذا لن يحدث. إنهم يتقاتلون منذ قابيل وهابيل. لن ينتهي هذا أبداً حتى يعود يسوع”. وهكذا، هناك ملخص صغير للصهيونية المسيحية (1) والذي انتقل إلي. لكنني انسحبت من ذلك عندما كان عمري نحو 13 عامًا.

لم أستطع أن أفهم العنف والسرد المزدوج للعنف الذي يدعمه. كان لدي بعض البصيرة، وتركتُ.


ولكن بعد ذلك، عندما ذهبت إلى مدرسة لاهوتية، حصلت على نوع آخر من الصهيونية المسيحية؛ نوع نادرًا ما تتم مناقشته: الصهيونية المسيحية الليبرالية الرئيسية والبروتستانتية الكاثوليكية، وهي نسخة ما بعد الهولوكوست التي ترفع إسرائيل إلى مرتبة قوة استثنائية يجب أن ندعمها باعتبارها وكيلاً لله.

جاءت هذه النظرة ردًا على الهولوكوست، ويمكن لنا جميعًا أن نؤمن بها ونوافق عليها، لكنها الآن ترفع إسرائيل إلى مرتبة الاستثنائية.

وأنا أسميها الصهيونية المسيحية المختبئة وهي ظاهرة على مرأى من الجميع في كنائسنا وفي الحزب الديمقراطي.

إنها نوع الصهيونية المسيحية الذي يجبِر التقدميين على أن يكونوا خيّرين في كل قضية باستثناء هذه القضية، فلسطين.


سمّاها صديقنا لاهوتي التحرير اليهودي، مارك إليس Marc Ellis، “الصفقة المسكونية”: دعونا نجرِ حوارًا ونتناول عشاءً رائعًا.

سوف نلتقي معًا ونعمل على العنصرية وكل قضية أخرى، لكننا سنتحقق من إبقاء فلسطين خارج الباب. الأمر معقد، اتركوا هذا لنا. يجب ألا تشاركوا أنتم المسيحيون في ذلك لأننا نقف في الخطوط الأمامية.‏


‏أود أن أبدأ بنظرة عامة تاريخية صغيرة؛ بسياق تاريخي حول صعود صهيونيتَين، ثم ننتقل بعد ذلك إلى القضايا الأخرى. ‏
اعتدت أن أعطي طلابي تمريناً عندما كنت أدرِّس عن النضال الإسرائيلي الفلسطيني.

لم أعد أستخدم كلمة “صراع” لأنها تفترض التكافؤ بين الطرفين. أنا أستخدم “النضال”. إنه نضال سياسي. في اليوم الأول من الدراسة كنت أعطيهم هذا التمرين: أين ومتى ولماذا بدأ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ الآن، ما رأيك؟ من أين يبدأ؟

وغالبًا ما كان الطلاب يبدأون بالعام 1967؛ حرب العام 1967. لكنكَ إذا بدأتَ من هناك، وبعضُ الكتب المدرسية تفعل، فإنك لا تفهم ما حدث في “‏‏النكبة”‏‏. سوف تفوتك الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق الفلسطينيين في العامين 1948 و1949.

سوف يفوتك ذلك. أو أنك ربما تعود قليلاً إلى وعد بلفور. الكثير من الطلاب سيقولون ذلك. وهذا أقرب، لكنني أعود إلى وقت أبكر.

بداية النضال‏


‏قلت إن النضال لا يبدأ في فلسطين؛ حيث كان المسلمون، واليهود، والمسيحيون يعيشون معًا في سلام حتى قدوم الانتداب البريطاني وتدفق الصهيونية والمستوطنين.

إنه يبدأ في أوروبا. يبدأ في الفترة من 1840 إلى 1900 عندما كان التاريخ القاتل لمعاداة السامية، المسيحية في أغلبها، يملأ أوروبا الشرقية والمدن الروسية والأوكرانية بالمذابح. هذا هو المكان الذي يبدأ منه. وكان ذلك عندما بدأ القادة اليهود في التعبير عن الحاجة إلى إنشاء وطن لأننا لن نكون آمنين أبدًا في أوروبا.


كان الطبيب اليهودي العظيم في أوديسا، الدكتور (ليو) بينسكر Leo Pinsker، من دعاة الاستيعاب والاندماج، كما كان حال معظم اليهود في أوروبا. وقرَّر: لا، علينا أن نتأقلم.

وكان زعيمًا لتلك الحركة في أوديسا. ثم تعرض منزله للهجوم والحرق على يد غوغاء مسيحيين عنيفين. مذبحة. وأدرك بين عشية وضحاها، أنه لم يعد بإمكاننا أن نكون آمنين. وكطبيب، استخدم تحليل “رهاب اليهودية”.

كان ذلك تحليلاً طبياً لحالة؛ كراهية اليهود والخوف منهم. ومن هنا جاءت الهجمات وإلقاء اللوم على اليهود.


وهكذا، كان بينسكر ما يسميه الدكتور العظيم آرثر هيرتزبرغ Arthur Hertzberg رائداً، من السلف. لقد مهد الطريق للحركة الصهيونية. ولم يفصح في الواقع عن خطة سياسية، لكنه دعا إلى إقامة وطن.

وهكذا مهد الطريق لتيودور هرتزل Theodor Herzl وآخرين.

والآن، يأتي هرتزل ويبدأ الصهيونية الرسمية في العام 1897 بالمؤتمر الصهيوني العالمي -كان هذا هو الإطلاق الرسمي للأيديولوجية السياسية للصهيونية. كانت الصهيونية المسيحية تتغلغل على مدى 400 عام، بشكل رئيسي في أوروبا.‏


عندما كنت أجري أبحاثي وكتاباتي الأبكر، اكتشفت أن جميع هؤلاء المتحدثين الأوائل الذين كانوا يَدعون إلى دعم اليهود والوطن اليهودي كانوا صهاينة مسيحيين.

وقرَّرتُ تغيير ذلك. والآن أود أن أقول إن هؤلاء الرواد الأوائل -مثل جون نيلسون داربي John Nelson Darby؛ واللورد شافتسبري Lord Shaftesbury وغيرهما الكثير- كانوا من السلف المبشرين لأن تحركاتهم كانت دينية نيابة عن اليهود الذين يدعون إلى إقامة نوع من وطن. إلى حل. ولكن لم تكن لديهم خطة سياسية حتى حوالي العام 1888.‏


ثم دخل على الخط القس وليام هيشلر William Hechler. كان القس هيشلر صهيونيًا مسيحيًا قديمًا.

كان قسيسًا للجيش البريطاني في فيينا. وكان هيشلر يحلم، ويأمل، في أن تأتي حركة يهودية وتنقذ الشعب اليهودي. وأصوله؟ كان استعادياً (2).

كان يعتقد أن الواجب المسيحي هو تحويل اليهود وتشجيعهم على الانتقال إلى فلسطين أو إلى مكان ما للتعجيل بعودة يسوع.


وقد تحول بطريقة ما بين عشية وضحاها عندما التقى هرتزل في فيينا. رآى هرتزل نبيًا عظيمًا، وأصبح هيشلر نشطًا في الصهيونية السياسية لبقية حياته.

أصبح صديقًا مقربًا جدًا من هرتزل. رتب لاجتماعات مع قيصر ألماني حيث طلب هرتزل أرضًا في فلسطين. ورتب لعقد اجتماع مع القيادة العثمانية. وقد رفضوه جميعًا وردوا طلبه.

لكن هرتزل قدَّر تلك الصداقة، وكان هيشلر الوحيد من غير اليهود الذي تواجد مع العائلة بجوار فراش موت هرتزل. وقال له هرتزل: أنت والد الصهيونية المسيحية. كان هذا قبل الحركة الصهيونية. وهكذا، كان هيشلر واحداً.‏


أما الآخر، الذي كان نوعًا من رائد والذي تحول إلى صهيوني مسيحي هو الآخر، فرجل من منطقتي في شيكاغو، وليام بلاكستون William E. Blackstone. كان بلاكستون من نوع اللاهوتيين المؤمنين بنهاية الزمان.

كان يؤمن بـ”الاختطاف”، مثل بات روبرتسون Pat Robertson؛ بأن إسرائيل ستصبح في النهاية تحت نار المسيح الدجال وجحافله القادمة من الشمال.

والآن، كما يُعتقد، سوف يُزال المسيحيون الذين خبروا الولادة الثانية (3). أنتم تعرفون ماذا يسمى هذا؟ الاختطاف. وقد اشتريت هذا أنا نفسي لفترة من الوقت.

وبذلك سيكون الوضع مريحاً للمسيحيين الذين اختبروا الولادة الثانية. إنهم لن يمروا بتجربة المعركة النهائية وكل تلك المتاعب والمشاحنات.


ثم، بين عشية وضحاها، اعتقد بلاكستون أن هذا لا يكفي. وقام بتنيظم أول لوبي صهيوني في العام 1891.

أعدّ عريضة تتجول من الساحل إلى الساحل، والتي تلقت التمويل من جون د. روكفلر John D. Rockefeller؛ وتشارلز سكريبنر Charles Scribner، الناشر؛ وجيه. بي. مورغان J.P. Morgan.

وكان لديه نحو عشرة أو أكثر من أعضاء الكونغرس الأميركي وأعضاء مجلس الشيوخ ورئيس قضاة المحكمة العليا الذين شاركوا في الالتماس المقدم إلى الرئيس بنيامين هاريسون في ذلك الوقت لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، بسبب المذابح والمعاناة التي يتعرض لها اليهود في أوروبا. ‏


‏‏قبل هرتزل في المؤتمر الصهيوني العالمي الأول، كان للصهاينة المسيحيين “لوبي” في العام 1891. تلك كانت بداية الصهيونية المسيحية. لذلك أُعرِّف الصهيونية المسيحية بأنها حركة سياسية تدعو إلى دعم إسرائيل بضمانة القوى الأجنبية.

لأن الله أعطى كل الأرض للشعب اليهودي، يجب على المسيحيين بالتالي تقديم الدعم الديني والروحي والاقتصادي والسياسي لهم. هذا هو أساس الصهيونية المسيحية الأصولية.


معظم الأصوليين يسمون أنفسهم إنجيليين. والإنجيلية Evangelicalism حركة تضم حوالي 110 ملايين مسيحي في الولايات المتحدة. ويرفض الكثيرون من الإنجيليين الصهيونية المسيحية.

توجد الصهيونية المسيحية في الجناح اليميني الأصولي للحركة فقط، لذلك من المهم استخدام كلمة “الأصولية”.

جميع وسائل الإعلام العلمانية والدينية تقريباً (تصور جميع الإنجيليين على أنهم صهاينة مسيحيون).

ويعمل هذا بطريقة ما في صالحهم لأنهم يستطيعون أن يقولوا: أوه، نحن نمثل 110 ملايين مسيحي. كلا. إنكم قد تشكلون في أحسن الأحوال نحو 18 مليونًا. وهذا كثير.‏


‏الآن، أصبحت حركة القس جون هاجي من الصهيونية المسيحية الأصولية، “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” أكثر قوة من الناحية العددية من اللوبي اليهودي المؤيد لإسرائيل، (آيباك)، أو “لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية”، وغيره.

وقد عملا معاً جنبا إلى جنب ويداً بيد. وكان ديفيد بروغ David Brog، الذي خرج مباشرة من (آيباك)، هو مدير منظمة “مسيحيون متحدون من أجل إسرائل” وقام بكل ما يلزم لربط الحركة مع اللوبي المؤيد لإسرائيل لسنوات. وقد أعلن للتو أنه سيترشح للكونغرس في نيفادا. ‏


وهكذا حصلوا على أشخاص جدد، لكن حركة هاجي وغيرها من الحركات المسيحية الصهيونية هي ما كانت إدارة ترامب -وبهدوء (رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين) نتنياهو- قد استخدماه للضغط من أجل نقل السفارة الأميركية وضم القدس ومرتفعات الجولان بشكل أساسي. لقد ضغطوا بشدة ودفعوا بذلك ومرّروه.

وقد اعترف ترامب بذلك بنفسه، عندما كان في ويسكونسن لجمع التبرعات خلال حملته الانتخابية -“لقد فعلنا ذلك من أجل الإنجيليين” (الأفضل، مع ذلك، الأصوليين). كان هذا اعترافاً بالكيفية التي حدث بها ذلك.‏

كيف ننتقد الصهيونية المسيحية‏
‏والآن اسمحوا لي أن أستخدم بعضاً من التركيز القضائي هنا. بينما أذهب إلى أكثر من نقد الصهيونية، الصهيونية المسيحية، أحاول اتباع ما أوصى به إيلان بابيه Ilan Pappé -أننا في حاجة إلى أن نكون دقيقين للغاية وحذرين في لغتنا. أنا لا أنتقد هنا الديانة اليهودية أو الشعب اليهودي. قال بابيه إن إنكار وجود إسرائيل هو شأن مستحيل وغير واقعي. ومع ذلك، فإن تقييم إسرائيل أخلاقيا وسلوكياً وسياسيًا ليس ممكنًا فحسب، بل إنه في الوقت الحاضر مطلب أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لقد كنا ناعمين بعض الشيء، خاصة في الأوساط المسيحية، بشأن نقدنا للصهيونية المسيحية. نحن خائفون من انتقاد الصهيونية نفسها. لكن الزمن يتغير، والطوائف بدأت مسبقاً في التقدم ورؤية الفرق.‏
لذلك، اسمحوا لي بأن أنتقل الآن إلى الجزء الثالث. أريد أن أتحدث قليلاً عن الصهيونية المسيحية الليبرالية الرئيسية. كما قلت، عندما كنتُ في كلية اللاهوت في برينستون كنت مسيَّسا. جئت من عائلة جمهورية محافظة، وخلفية صهيونية أصولية. وعلى الرغم من أنني تركت بعضاً من ذلك، إلا أن وجهات النظر الأساسية لبثت. وهكذا، ذهبت إلى دراسات الهولوكوست كثيرًا.

‏والآن اسمحوا لي أن أستخدم بعضاً من التركيز القضائي هنا. بينما أذهب إلى أكثر من نقد الصهيونية، الصهيونية المسيحية، أحاول اتباع ما أوصى به إيلان بابيه Ilan Pappé -أننا في حاجة إلى أن نكون دقيقين للغاية وحذرين في لغتنا.

أنا لا أنتقد هنا الديانة اليهودية أو الشعب اليهودي. قال بابيه إن إنكار وجود إسرائيل هو شأن مستحيل وغير واقعي. ومع ذلك، فإن تقييم إسرائيل أخلاقيا وسلوكياً وسياسيًا ليس ممكنًا فحسب، بل إنه في الوقت الحاضر مطلب أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

لقد كنا ناعمين بعض الشيء، خاصة في الأوساط المسيحية، بشأن نقدنا للصهيونية المسيحية. نحن خائفون من انتقاد الصهيونية نفسها. لكن الزمن يتغير، والطوائف بدأت مسبقاً في التقدم ورؤية الفرق.‏


لذلك، اسمحوا لي بأن أنتقل الآن إلى الجزء الثالث. أريد أن أتحدث قليلاً عن الصهيونية المسيحية الليبرالية الرئيسية. كما قلت، عندما كنتُ في كلية اللاهوت في برينستون كنت مسيَّسا.

جئت من عائلة جمهورية محافظة، وخلفية صهيونية أصولية. وعلى الرغم من أنني تركت بعضاً من ذلك، إلا أن وجهات النظر الأساسية لبثت. وهكذا، ذهبت إلى دراسات الهولوكوست كثيرًا.

وبينما كنت أعمل على لاهوت ما بعد الهولوكوست، كنت أقف حقًا مع الشعب اليهودي ضد معاداة السامية -وما زلت أفعل، يجب أن نفعل.

لكنني، مع ذلك، التقطتُّ هذا الرفع لإسرائيل كشعب الله المختار بطريقة مختلفة. هناك زميل كنت أقرأه يدعى رينهولد نيبور Reinhold Niebuhr، وهو عالم لاهوت ليبرالي عظيم. قال الرئيس باراك أوباما إنه عالم اللاهوت والفيلسوف الأخلاقي المفضل لديه.‏


‏‏نظم نيبور جماعة ضغط، (لوبي) خلال الحرب العالمية الثانية وضغط من أجل إنشاء دولة يهودية في فلسطين.

وقد نجح ذلك كثيراً، وشكل ضغطًا على إدارة ترومان. ومع ذلك، كانت لدى نيبور نقطة عمياء. إنه تقدميٌّ آخر كان خيِّراً في كل قضية -في العرق، وحقوق الإنسان، وكل شيء آخر. ولكن عندما يتعلق الأمر بفلسطين، كان في الحقيقة صفحة بيضاء. ‏


‏قيل له عندما كان يحشد وينشط في الضغط إن هناك إبادة جماعية تجري في فلسطين مع قيام الميليشيات الإسرائيلية والجيش الجديد بإبادة الفلسطينيين وإجبارهم على المغادرة. وقال نيبور إن هذا سيكون ضروريًا لكي تصبح إسرائيل دولة. وجد عُذراً لذلك. كان هذا هو المدى الذي ذهب إليه في عماه عن العدالة الفلسطينية.‏


والآن تأثر العديد من أعضاء الكونغرس وأعضاء مجلس الشيوخ الليبراليين، وربما حتى الرئيس، بهذا النوع الليبرالي من لاهوت ما بعد الهولوكوست، الذي يضع إسرائيل فوق قواعد القانون والمعايير الدولية.

إذن هذه صهيونية مسيحية ليبرالية، والتي أقول إنها مختبئة في وضح النهار، على مرأى من الجميع. إنها في ثقافتنا.

وهي تسري عميقاً في فكرنا؛ “المدينة على تل”، أننا مباركون كأمة تبارك إسرائيل وترفع إسرائيل. لكن هذا، مع ذلك، بدأ يتغير.


اسمحوا لي أن أنتقل قليلاً إلى ذلك. بينما غيرت تحليلي، تحولت إلى مصدرين للنقد في السنوات الخمس الماضية. الأول هو ‏‏التحليل الاستعماري الاستيطاني،‏‏ والثاني هو لاهوت التحرير.

وسوف يتناول كتابي الجديد لاهوت التحرير. واسمحوا لي أن أذكر بضعة أشياء عن الاستعمار الاستيطاني. ربما يكون معظمكم على دراية بهذا.

الاستعمار التقليدي سيأتي بشكل أساسي كما فعل البريطانيون في الهند، يحتلون، ويستولون على الموارد ويسيطرون عليها ويسيئون معاملة السكان. لكنهم يغادرون بشكل عام.

إما أنهم يجبرون على الخروج أو أنهم يفلسون ويخرجون. ‏
لكن ‏الاستعمار الاستيطاني مختلف.

يأتي الاستعمار الاستيطاني والمُحتل يبقى. وتتمثل نهاية لعبته، وهدفه، في استبدال السكان الأصليين بمستوطنيه. كان هذا ما آلت إليه الولايات المتحدة في نهاية المطاف لتصبح نظامًا استعمارياً استيطانيًا. انظروا إلى ما فعلناه بسكاننا الأصليين. إنه عمل إجرامي.

وهذا ما فعلته إسرائيل الآن.‏ (يُتبع)

*نشرت هذه المحاضرة تحت عنوان: Don Wagner: The Widespread Influence of Christian Zionism and Growing Backlash Inside American Churches

القس دون فاغنر يتحدث في “نادي الصحافة الوطني” في واشنطن – (أرشيفية)

هوامش المترجم:
(1) الصهيونية المسيحية هي الاسم الذي يطلَق عادة على معتقد جماعة من المسيحيين المنحدرين غالباً من الكنائس البروتستانتية الأصولية، التي تؤمن بأن قيام دولة إسرائيل في العام 1948 كان ضرورة حتمية لأنها تتمم نبوءات الكتاب المقدس -بعهديه القديم والجديد- وتشكل المقدمة لمجيء المسيح الثاني إلى الأرض كملكٍ منتصر.


(2) الاستعادية Restorationism هي الإيمان بأن المسيحية استُعيدت -أو ينبغي أن تُستعاد- وفقًا للمعروف عن الكنيسة الرسولية المبكرة، ويرى الاستعاديون أن مذهبهم هو بحث عن صيغة أقدم وأنقى لدينهم. أساس هذا المذهب: “الرأي الساعي إلى إصلاح الأخطاء والمفاسد بالاحتكام إلى الكنيسة الأولية بوصفها النموذج القياسي”.


(3) الولادة من جديد، أو تجربة الولادة الجديدة، هي عبارة تشير، خاصة في الكرازة، إلى “ولادة روحية”، أو تجديد للروح البشرية.

وعلى النقيض من الولادة الجسدية، تَنتج “الولادة الثانية” بشكل واضح ومنفصل عن المعمودية في الروح القدس، ولا تنتج عن المعمودية في الماء.

وهي عقيدة أساسية لطوائف تقول بتجديد العماد. وتؤمن كل الكنائس بقوة بكلمات يسوع في الأناجيل: “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ”.

وتنص عقائدها أيضًا على أنه لكي “يولد من جديد” و”يُخلص”، يجب أن تكون للمرء علاقة شخصية وحميمية بيسوع المسيح.

اقرأ المزيد من ترجمات

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (1 – 3)

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (2 – 3)

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (3-3)

أتباع القس الأميركي جون هاجي يرددون شعارات مؤيدة لإسرائيل في وسط مدينة القدس المحتلة، 2008 – (المصدر)
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock