فكر وأديان

القضاء والقدر

د. هاشم غرايبة

بعض الناس يعتبر القضاء والقدر شيئا واحدا، وقليلون هم أولئك الذين يتمكنون من التمييز بين الأمرين.
القضاء مصدر للفعل قضى، والذي يعني فصلا في الأمر وبتّا فيه، فبات قرارا واجب التنفيذ، وبما أنه إلهي فيعني أن كل ما انطبق عليه القرار إما تحقق أو سيتحقق حتما، ولا يملك أحد له دفعا.
أما القدر فهو من التقدير؛ أي الموازنة بين الأمور وترتيبها بحيث تؤدي الى نتيجة محددة سلفا، فهي جملة من العلاقات المتشابكة والمعادلات المعقدة التي تشترك في إنجاز فعل معين ليتحقق بالصورة المحددة.
أعجب العالم باكتشاف نيوتن قانون الفعل ورد الفعل، لكن كان الأولى به أن يكتشف قبله قانونا أنه لا يتحرك جسم إلا بمحرك ولا يتوجه إلا بضابط يوجه مساره ولا يتوقف إلا بكابح لحركته.
قد يقول العلماء إن “القصور الذاتي” هذا بديهية لا تحتاج الى إثبات، لكن في العلم لا توجد بديهيات، كل الظواهر لا بد لها من تفسير، وتفسيرها يتم فقط عندما يكتشف قانونها، هم يعرفون ذلك لكنهم سكتوا عنه، لأنه سيؤدي حتما الى الاعتراف بأنه لا توجد في هذا الكون حركة عشوائية، وأن كل المتغيرات في الطبيعة تحكمها قوانين سواء في الحركة الداخلية (الحركة الجزيئية) أو الخارجية (تغير الموضع) أو التحول (التبدل بين المادة والطاقة)، وكل هذه الآلاف من القوانين متشابكة المهام تعمل معا وطوال الوقت من غير تعارض ولا تصادم ولا يبطل بعضها بعضا.. أي أن هنالك منظما أعظم، مسيطرا عليها وضابطا لأفعالها، ومنطقيا لا يمكن ذلك إلا في حالة واحدة، وهي أن خالقا واحدا هو من أوجدها؛ إذ لا يمكن أنها وجدت بهذا التناسق بحكم الصدفة، وبما أنها جميعا محكومة بقانون القصور الذاتي، فإن ما يضبط تغيراتها على الدوام لا شك أنه الخالق ذاته، لذا فهو إله مدبر حكيم.
القضاء هو كلمة سبقت من الله؛ أي أمر منه شمل كل شيء بالمطلق، ولا ندرك منه إلا ما هو كائن بالكينونة الوجودية: “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (يس:82)، أو ما هو مغيب عن إدراكاتنا الحسية المحدودة، فلا نعلم منه إلا تخيلا، ووفق ما أعلمنا به: “وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ” (البقرة:255).
لذا فالقضاء هو أمر شاءه الله ولحكمة هو يعلمها، قد يفتح علينا بعضا من أبواب علمه فندرك حكمتها، لكننا قطعا لا يمكننا تغييره.
فمثلا نعرف خواص الماء والعناصر كافة التي اكتشفنا وجودها، ونعلم درجة التبخر والتجمد والانصهار والتمدد..الخ، قد نبتكر آلات واستعمالات تستفيد من ذلك، لكن لا يمكننا تغيير هذه الخواص قيد أنملة.
فكل ما لا قبل لنا برده أو تغييره هو من قضاء الله.
وبالقياس على ذلك في أنفسنا، فكل ما لا خيار لنا به كالأرزاق والآجال والحياة من حيث اختيار المرء بدء حياته أو لونه أو عرقه أو والديه أو إطالة عمره، فكل ذلك قضاء.
القدر أمر الإلمام به أكثر تعقيدا؛ إذ إنه نتاج تشابك معقد من العلاقات تتداخل فيها إرادة الله مع إرادة الإنسان، منها هو موجه من الله لكي يتحقق القضاء الذي قضى به الله، ومنها ما هو بيد الإنسان لكنه خاضع في جزء من لتوجيه الله ومعونته وتوفيقه، وفي جزء آخر لجهد الإنسان وجده ونشاطه، لكنه يبقى في النتيجة محكوما بإرادة الله.
سأضرب مثلا لتبيان ذلك، لنفترض أن أجل فلان سيكون في اليوم الفلاني، هنالك آلاف الاحتمالات لكيفية الوفاة، قد تكون تعرض لأخطر منها قبلها مئات المرات ونجا من الموت لكنه خلال تلك الحادثة قد يكون تعرض لأذى أو كسور، ما كان لها أن تؤدي الى موته لأن أجله لم يكن حان بعد، كما أن له رزقا لم يستهلك بعد.
القدر يكون في تقدير خروجه من الحادث: إما سليما بلا خدش، أو حدوث الأذى بدرجات متفاوتة الدرجة، ابتداء من التعطل الجزئي الى دائم بحدوث عاهة باقية، ويتدخل في تقدير ذلك عدد كثير من العوامل، تبدأ من محافظته على صحته وعلى الحذر واتباع سبل السلامة، وحسن الرعاية الطبية، كما تدخل فيها العناية الإلهية جراء تقوى الله وقيامه بأعمال الخير أو بر الوالدين أو رضاهم عنه ودعائهم له..الخ.
صحيح أن القضاء هو أمر الله الذي لا راد له، لكنه تعالى لم يحدد المصائر والمسارات سلفا بالمطلق، ليلزم الأمور تسير حسب البرنامج الحذافيري، فذلك يلغي الاختيار، لذلك فقد أوجد الله تداخلا بين المُسيّر والمخيّر، فجعل للأمر المقضي به ثلاثة مخارج:
1 – التقوى: “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا” (الطلاق:2).
2 – الدعاء: “قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ” (الفرقان:77).
3 – التوبة: “فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ” (يونس:98).
لقد بين الله تعالى في القصة الواردة في سورة الكهف، بعضا من هذا التداخل المعقد، وكيف يسوق الأقدار (أفعال الرجل الصالح) ليحقق قضاءه: “وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي”، مؤكداً مسبقا عدم قدرة البشر على فهم المعادلات، بسبب أنه لا يعلم الغيب، وبالتالي لا يمكن أن يدرك الحكمة: “وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا”.
إن المتفكر في عظمة خلق الله وبديع صنعه في الكون والإنسان، يدرك أن ديمومة هذا النظام فائق الدقة ما كان ليتم لولا أن هنالك خبيرا عليما يتولى إدامة توازناته وصيانة مكوناته، وبالتالي يستوجب حكمة بالغة، هي فوق المعقول البشري، وأعلى كثيرا من قدراته المعرفية… وذلك هو القضاء والقدر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock