تحليل إقتصادي

“القطاع المالي والتغير المناخي”

عدنان أحمد يوسف*

أصدر اتحاد المصارف العربية، مؤخرا، دراسة قيمة حول تداعيات تغير المناخ على الدول والقطاعات المالية العربية، وهي من المواضيع الأكثر أهمية في الوقت الحاضر، وتشغل العالم بأسره كما شهدنا في مؤتمر تغير المناخ الذي اختتم أعماله مؤخرا في جمهورية مصر العربية.
وما يهمنا هنا تناول جانب من هذا الموضوع ذلك المتعلق بالقطاع المصرفي والمالي العربي نظرا لحاجة البنوك العربية للاستعداد لمواجهة هذا الموضوع.
ووفقا للدراسة، فإن المنطقة العربية تعد من أكثر مناطق العالم عرضة لتأثيرات التغير المناخي والأكثر تعرضا للضغط المائي. ولا تشمل المخاوف بشأن تأثير تغير المناخ على المنطقة العربية فقط تداعيات بيئية واقتصادية كبيرة فحسب، بل تشمل أيضا تداعيات سلبية محتملة على الاستقرار السياسي والأمني فيها.
في ضوء ذلك، يمكن للقطاع المالي بشكل عام والقطاع المصرفي بشكل خاص، أن يلعب دورا مهما في مجال التكيف مع تغير المناخ، وذلك من خلال قرارات التمويل والاستثمار، وسياسات إدارة مخاطر الائتمان وممارسات الإقراض، وتطوير المنتجات المالية للتخفيف من المخاطر. وضمن هذا الإطار، تشكل سياسات تغير المناخ مخاطر جديدة للمصارف وفي الوقت عينه فرصا جديدة لها. ويتزايد إدراك صانعي السياسات والمستثمرين في المنطقة بالآثار الكبيرة لتغير المناخ على استقرار القطاع المالي وسلامة القطاع المصرفي ومتانته من ناحيتين: المخاطر المادية ومخاطر التحول. وترتبط المخاطر المادية بزيادة تواتر وشدة الظواهر الجوية المتطرفة، فضلا عن التحولات المناخية طويلة الأجل التي تسبب أضرارا مادية لقيمة الأصول المالية والضمانات التي تحتفظ بها المصارف. أما مخاطر التحول، فتنشأ نتيجة للتغييرات التي يتم إجراؤها لتطوير اقتصاد منخفض انبعاثات الكربون، التي قد تؤدي إلى تغييرات كبيرة في قيم الأصول وزيادة تكاليف الأعمال.
وفي موازاة ذلك، تتحمل الصناعة المالية عبئا مزدوجا. فمن جهة، يجب أن تستعد للتأثيرات السلبية لتغير المناخ على أعمالها وعملائها، ومن جهة أخرى، يمكن أن تساعد بشكل كبير على التخفيف من المخاطر الاقتصادية وتمهيد الطريق لاقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية من خلال توفير المنتجات والخدمات المناسبة.
ويشير تقرير صادر عن مجلس الاستقرار النقدي المالي العام 2020، الى أن الخسائر المرتبطة بالأضرار الناتجة عن الكوارث الطبيعية والتغير بالمناخ قد تضاعفت منذ الثمانينيات. كما أنه من المتوقع أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة والتداعيات السلبية المترتبة عليه الى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. وبحسب مجلس الاستقرار المالي كذلك، ستتأثر الأصول المالية غير المصرفية البالغة قيمتها حوالي 143 تريليون دولار بظاهرة الاحتباس الحراري. من جهة أخرى، وبحسب دراسة لجامعة لندن للاقتصاد، فإنه في حال ارتفعت درجات الحرارة درجتين ونصف درجة مئوية بحلول نهاية القرن الحالي، سيكون 5.2 تريليون دولار من الأصول المالية مهددا. ويعطي ذلك فكرة عن إمكانية تعرض القطاعات المالية العربية للمخاطر المناخية.
وتتصرف الحكومات العربية بمسؤولية من أجل اتخاذ خطوات كبيرة نحو تحقيق الاستدامة؛ حيث قام العديد منها بوضع خطط طويلة الأجل لتحقيق هدف الكربون الصفري. وقد أصدرت مصر أول سند سيادي أخضر، بقيمة 750 مليون دولار. علاوة على ذلك، يقيد قانون إدارة النفايات الجديد الذي أصدرته مصر، إنتاج واستيراد وتصدير الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد كوسيلة لمكافحة التلوث البلاستيكي.
كما أصبحت دول الخليج تقود قاطرة أدوات الدين “البيئية” في منطقة الشرق الأوسط، بعد وصول إجمالي ما تم إصداره إلى 10.6 مليار دولار؛ حيث أصبحت السعودية أكبر مصدر لأدوات الدين التي تراعي البيئة في العالم الإسلامي. مع العلم أن مقدار ما أصدرته الجهات السعودية من السندات والصكوك التي تراعي البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة بلغ 1.5 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي. أما الإمارات فقد أصدرت حتى الآن ما مقداره 1.8 مليار دولار والبحرين 900 مليون دولار.
ويوصي التقرير، فيما يخص تعامل القطاع المالي مع التغير المناخي، بضرورة اعتماد المصارف المركزية سياسة إدارة مخاطر تشمل تداعيات تغيرات المناخ والكوارث الطبيعية وكيفية التعامل معها، وإصدار تعليمات وإرشادات تتضمن الحد الأدنى من القطاع المالي بما يخص التعامل مع الكوارث الطبيعية، وتحديث التعليمات كلما دعت الحاجة. كذلك تبني المصارف المركزية برامج دعم للمشاريع صديقة البيئة، بتمويل بأسعار فائدة وآجال مناسبة، وتعزيز التمويل المستدام والمسؤول، وتقديم الحوافز للمصارف التجارية وأصحاب المشاريع الصديقة للبيئة.
كذلك قيام القطاع المالي بتبني إجراءات للتعامل مع الأثر المتوقع للكوارث الطبيعية وتغيرات المناخ على مخاطر الائتمان، ومخاطر التشغيل، ومخاطر السوق. علاوة على دراسة وتحليل أثر الانتقال من المنتجات والخدمات كثيفة غاز الكربون إلى المنتجات والخدمات منخفضة غاز الكربون، وأثر ذلك على القطاعات المعنية، وتبني سياسات لدراسة ومعالجة الآثار السلبية على القطاعات التي قد تتضرر جراء هذا التحول. وكذلك الاستفادة من التقنيات المالية الحديثة، حيث إن تنفيذ العمليات المالية الرقمية أثناء الكوارث الطبيعية يسهم في الحد من انقطاع الأعمال.

*رئيس جمعية مصارف البحرين ورئيس اتحاد المصارف العربية سابقا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock