آخر الأخبار حياتناحياتنا

القطع المتوارثة.. إرث عائلي يختزل الحب والذكريات

ربى الرياحي

عمان- لحظة ولادة الطفلة رزان، كان فستان جدتها يزين تختها الصغير، ذلك اليوم الذي حلمت به والدتها بأن تلبسها قطعة مر عليها عشرات السنين، لكنها ما تزال تحافظ على جمالها ورونقها ورائحتها العطرة.
هذه الطفلة ستكبر وتعرف يوما أنها ارتدت فستانا كان لجدتها وارتدته أيضا والدتها حينما كان عمرها أشهرا، وهي بالتالي ستحتفظ به بالكبر لكي تلبسه لطفلتها، لكي يبقى ذكرى عطرة يحمل مضامين فيها رائحة الماضي الجميل.
لا تتوقف والدة رزان وهي تشتم رائحة أمها التي رحلت بهذا الفستان، يعطيها شعورا بالحنين والحب وأياما ربما لن تعود، لكنها تحملها معها.
وبحنين وشوق، تستعيد الثلاثينية هيام محمد لحظات الفرح التي لا تنساها عندما امتلكت فستان والدتها. تلك القطعة التي تراها جزءا من ماض جميل وإحساس يحرض على الالتفات إلى الوراء ببهجة وحب.
استرجعت أيام الطفولة والبراءة بعد إصرار والدتها على الاحتفاظ بفستانها وهي طفلة لا يتجاوز عمرها الأربع سنوات ورغبتها الشديدة في تقديمه لابنتها الأولى، ذلك زادها حبا والتصاقا بوالدتها وجعلها قريبة منها دائما.
تقول هيام “يعنيني جدا هذا الفستان وأعتبره أغلى ممتلكاتي.. أشتم فيه رائحة والدتي وتلك التفاصيل الصغيرة التي شكلت ملامحي”، مبينة أنها اختزلت أكثر المشاعر دفئا وحنانا وهي تنظر إلى حياكته الحرفية ولونه الأحمر الدافئ ليبقى قطعة مميزة وذكرى يستحيل التخلي عنها.
حرص هيام على الفستان واعتباره همزة وصل بينها وبين ذكرياتها في الماضي دفعها لأن تهديه لزوجة ابنها الوحيد، لكي يظل شاهدا على الماضي بكل مراحله، مؤكدة أن قدرتها على الاحتفاظ به كل هذه المدة رغم قدمه هو دليل على حبها الكبير لوالدتها وشعورها الدائم بالوفاء لتلك السنوات.
مزيج من الحنين والفرح والاعتزاز تضعه هذه القطع القديمة في النفوس، وتمنح فرصة إحياء الذكريات بحلوها ومرها. ومهما كانت التفاصيل التي تحملها هذه القطع بسيطة، إلا أنها ذات أثر كبير لا يمكن تجاهله أو نسيانه أبدا، لذا فإن تناقلها من جيل لآخر والإبقاء عليها كقيمة ينبضان بالمشاعر التي يصعب أن تتكرر. ولأن توارث العائلات مثل هذه القطع يعد طقسا يمارسونه لإحياء كل ما هو قديم بمعانيه، لتكون امتدادا بين الماضي والحاضر، فإن الخمسيني سميح إبراهيم يشعر بالاعتزاز والفخر لكونه استحق وبثقة جميع عائلته أن يكون امتدادا لأبيه وجده من قبله.
إبراهيم كان قد حصل على عباءة جده، فهو يشبهه في أخلاقه وكرمه، مما جعله واثقا أكثر بنفسه منتميا لذلك الزمن الذي يتبادل فيه الكبار والصغار الاحترام والمحبة والوفاء فيما بينهم.
ويلفت إلى أن “الاحتفاظ بأشياء من الماضي يوقظ فينا كما هائلا من المشاعر، بتفاصيل تحمل في عمقها عبق تلك الحياة ونقاءها”، مبينا أن الجميع بحاجة للقرب أكثر من القيم النبيلة واستعادتها.
ويرى أن اتصال الأجيال بالماضي، رغم الحداثة، يقويهم ويجعلهم أكثر صلابة، بالإضافة إلى أنه يثري مخزونهم الشخصي بالذكريات الجميلة.
الطفل يزن جهاد والبالغ من العمر تسع سنوات هو الآخر يعيش سعادته الحقيقية كلما ارتدى بدلة والده وهو صغير، تختلط عليه المشاعر ويفتش عن إجابات ترضيه وتزيده فرحا وفخرا.
هو من جهة يشعر ببراءته الحاضرة أنه الأقرب لقلب والده، ومن جهة أخرى يحاول وبإصرار تقليده في كل شيء.
يقول والده “إن إحساسا غريبا يسيطر عليه عند رؤيته هذه البدلة، يرجع للحظات جميلة عاشها بالماضي مع والده وإخوته تجعله أقرب لذكريات طفولته باستمتاع وسعادة، وتزيده التصاقا بجذوره، وأهمية البقاء على تواصل مع الماضي والاهتمام بالتفاصيل عبر عادات جميلة يتم توارثها عبر الأجيال المقبلة باعتزاز وحب”.
الأخصائي الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي، يرى أن عادة توريث بعض الآباء ملابسهم وهم صغار لأبنائهم، تجسد معنى الوفاء ويستحضر أيام الطفولة والشقاوة.
ويوضح أن لجوء البعض لتعويد أبنائهم على احترام هذه العادة والتمسك بها لتكون من طقوسهم الخاصة، خطوة مهمة تمنحهم القدرة على ربط الحاضر بالماضي وتعرفهم على الموضة والأزياء التي كانت سائدة قديما.
ويشير إلى أن القطع التي يتم توريثها هي في الغالب قطع مميزة ولها قيمة معنوية عند صاحبها، لهذا السبب تحظى باهتمام الأهل وبإبقائها موجودة كذكرى تتناقلها الأجيال رغبة منها في تأكيد البساطة التي باتت مفقودة اليوم.
ويرى الاختصاصي النفسي د.موسى مطارنة، أن توريث الملابس قضية لها علاقة في اعتقاد البعض أن بقاء ذكرى للمتوفى يكون له قيمة كونه جزءا منه، ويتم تداوله من جيل إلى آخر، وهذا يدل على الإخلاص والوفاء والعمق والارتباط العاطفي والإيمان بالسلالة الأسرية.
إلى ذلك، كانت معتقدات في الماضي بأن يحتفظ كل جيل بمقتنيات الجيل السابق، لتصبح جزءا من تاريخه وأصالته وجذوره، وهذا الشعور له تأثير كبير على بعض الناس الذين يعتبرون هذا الأمر امتدادا تاريخيا لوجودهم وتطورهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock