أفكار ومواقف

القطيع والخوف والصمت

من زمان قيل: “الموت مع الجماعة رحمة”. وقيل أيضا: “ضع رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس”. ومثل هذه الأمثال الشعبية جمعها المفكر العربي حليم بركات قبل نحو أربعة عقود، في سياق تحليله للبنى الذهنية والاجتماعية في المجتمعات العربية، والتي تحتفي بظاهرة القطيع، وتجعل الفرد مستسلما سلبيا لقوة القطيع وينساق بإمرته، وفي أحيان كثيرة قد يتنازل عن قناعاته لكي يتوافق مع الجماعة، خوفا من اضطهاد القطيع. وعبر التاريخ، لطالما كانت الاختيارات الجمعية مصدر الكثير من المصائب وكوارث الحروب. وأكثر خطايا التاريخ ارتكبت بفعل ذهنية القطيع.
السؤال اليوم: كيف تؤثر وسائل الإعلام الجديدة التي أدمجت المواطنين والجماعات في المجتمعات العربية في فضاء جديد، تبدو فيه جرعات أعلى من الحرية، وقليل من المسؤولية؟ واضح أن هذه الوسائل تعري أسوأ وجه لهذه المجتمعات. ويشترك في هذا الأمر العوام والنخب على حد سواء.
لا يسرنا كثيرا أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتت تشهد واحدا من أعلى معدلات الزيادة في الوصول إلى الإنترنت. ولا يسرنا، أيضا، أن هذه المجتمعات باتت من أكثر المجتمعات اندماجا في شبكات التواصل الاجتماعي، بل وتجاوز بعضها المعدلات العالمية. كل ذلك يعني الطريقة التي اندمجت بها هذه المجتمعات بهذه التكنولوجيا، وهي الطريقة التي حركت الراكد وحفرت عميقا في الطبقات الهشة وأخرجت أسوأ ما فيها.
في نظرية “دوامة الصمت” التقليدية، تلجأ الأقلية التي لا تتوافق مع الاتجاه العام السائد في وسائل الإعلام إلى الصمت، خوفا من اضطهاد الأغلبية، ولا تقوى على المغامرة في التعبير عن موقفها خوفا من العزلة والنبذ. أما في بيئة الإعلام الجديد الذي يفترض أن الناس والمجتمعات هي التي تديره، فإن المعادلة تختلف؛ حيث يعمل الناشطون والأفراد الأكثر تأثيرا على خلق اتجاهات عامة، تبدو وكأنها الاتجاه السائد أو الرأي العام، ما قد يدفع الأغلبية إلى الدخول في الصمت خوفا، أو الاندماج مرغمين في هذا الاتجاه.
الشبكات الإعلامية الجديدة لها قوة سحر مختلفة؛ ليس في قوة الجذب والإدمان وحدهما (تم تأسيس مركز لمعالجة إدمان الإنترنت في الجزائر هو الأول في أفريقيا!)، بل في القدرة على إعادة إنتاج ظاهرة القطيع المصحوبة بالخوف من الاتجاه السائد على الشبكة. فالاتجاه السائد قد يكون مصنعا ولا يعكس حقيقة الرأي العام الباطن. وهذا التحول ينال النخب أيضا، التي تخشى من اضطهاد الاختلاف والعزلة. وهو للأسف ما يحدث في مجتمعنا هذه الأيام؛ حيث يعرف كثيرون الحقيقة والصحيح جيدا، لكنهم يلجأون إلى الصمت خوفا من اضطهاد يمارسه الاتجاه السائد على وسائل إعلام ذات طابع شعبي وتفتقد للسيطرة المركزية، ولكنها مرنة وعلى استعداد للتوجيه.
الخوف أكبر قوة لإعاقة التطور، وأكبر قوة تعطل العقل والعاطفة، وهو أصل الخرافة والظلام. والخوف يرسم غشاوة على عيون الناس تفقدهم إنسانيتهم وقدرتهم على التمييز بين الحقيقة والتضليل. والخوف قوة تجعل الناس يمشون على رؤوسهم، ويتحسسون الأرض ويزعمون أنها السماء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock