أفكار ومواقف

القمة العربية: رسائل أردنية قاطعة

جاذبية المتابعة والاهتمام بانعقاد القمم العربية صارت وراءنا أو على الأقل خفت بشكل ملحوظ. السبب مرتبط بتراجع الثقة بالنظام الرسمي العربي والشعور بالخيبة وغياب الأمل والقناعة بأن القمم العربية لن تحدث فرقاً جوهرياً في الواقع العربي الذي يتراجع سواء في قدرته على التعامل مع التحدي الذي يفترض أن يكون مركزياً “القضية الفلسطينية” والتي تعبر عامها الحادي والسبعين دون بارقة أمل في حل عادل وفق قرارات الشرعية الدولية، أو مع التهديدات الإقليمية الإيرانية والتركية والفوضى التي يغرق فيها العديد من الأقطار العربية، وغياب التنمية والتضامن العربي والتكامل الاقتصادي ولو بالحد الأدنى، بالإضافة لما أفرزته مآلات المشهد العربي بعد العام 2011، وموجة الربيع العربي التي تركت أثراً بالغاً في حال الأمة وإن كان متفاوتاً من قطر عربي لآخر.
من القمة الأولى في أنشاص العام 1946 وصولا للقمة العادية الثلاثين المنوي عقدها في تونس 31 الشهر الحالي، انعقد أكثر من أربعين لقاءً عادياً واستثنائياً على مستوى القادة كانت فلسطين والتهديد الإسرائيلي التوسعي هو الحاضر حتى ما قبل النكبة الأولى وللأسف انقضى 73 عاماً دون أن ينجح العرب في تحقيق اختراق منتج للخروج من هذا التحدي سواء في الحرب أو إنجاز تسوية سياسية، بل إن هذا الصراع المزمن كان مبرراً لغياب الديمقراطية والتنمية والسير نحو الدولة الوطنية أو التكامل الاقتصادي.
القمة العادية الثلاثون تنعقد هذا العام في تونس وقد عصفت الخلافات الداخلية بالعالم العربي وتبدلات الأولويات في قراءة التهديدات وإعادة تعريف العدو الحقيقي الذي يستهدف العرب وتغليب التحدي “الداخلي” لكل بلد عربي على حساب التحدي الأساسي “الاحتلال الإسرائيلي” المدعوم بإدارة أميركية تنحاز بالمطلق للترويكا المتطرفة التي تحكم إسرائيل التي لم تكتف بالاعتراف بالقدس عاصمة ابدية لكيان الاحتلال ووقف دعم منظمة الأونروا للاجئين وقطع العلاقات مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وهذا يعني عملياً دفن حل الدولتين الذي حملته المبادرة العربية منذ قمة بيروت العام 2002، وزاد ترامب وعداً جديداً باعتبار الجولان العربي السوري المحتل أرضاً خاضعة لدولة الاحتلال؛ مقابل ذلك تسيطر فكرة النجاة والسلامة والنأي بالنفس على العديد من الأقطار العربية وأن يقلع كل بلد شوكه بيديه حتى وإن كان الكلام الدعائي لبعض الدول العربية يركز على الثوابت العربية التي تثبت الممارسة الفعلية أنها مجرد كلام سياسي فقد مضمونه.
ما يعنيني هنا أن الأردن يدرك أن القضية الفلسطينية اليوم تمر بمرحلة هي الأخطر عبر مسيرة الصراع العربي الإسرائيلي، وأن جلالة الملك عبد الله الثاني الذي سيترأس الوفد الأردني للقمة في تونس سيجسد الثوابت الاستراتيجية للدولة الأردنية التي تحمي المصالح العليا وطنياً وفلسطينياً في رفض أي تسوية لا تضمن قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967 عاصمتها القدس الشرقية، متواصلة جغرافياً وقابلة للحياة، وأن الأردن لن يقبل أن يكون وطناً بديلاً لأحد أو يكون مقراً لتوطين أحد، ووصايته الهاشمية غير قابلة للتفاوض.
الرسائل الملكية الأخيرة الثلاث خلال أقل من أسبوع تضمنت لاءات أردنية ثلاثا غاية في الأهمية في سياق التعامل مع الإشاعات والتشكيك بالموقف الأردني، والتي لا يمكن استبعاد الأيادي الإسرائيلية عنها أو الاستثمار فيها، وهي بنفس الوقت رسالة مبكرة للقمة العربية. ما قاله الملك في قيادة الجيش هو أوضح وأصلب موقف يستدعي الالتفاف حوله لأننا نمر في لحظة تاريخية فارقة، على أمل في أن تكون فلسطين هي العنوان المركزي في القمة العتيدة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock