أفكار ومواقف

القنبلة النووية: لا تطعم شعباً ولا تمنع كوارث

في كوريا الشمالية التي كان ينظر إليها، ولا يزال ينظر بعض العرب، كنموذج للنظام الحديدي الذي يواجه الامبريالية، تكمن المفارقة في أنّ النظام الستاليني شبه الأخير في العالم يتباهى بأنّه صار قوة نووية لا بدّ من أن يحسب لها ألف حساب في الوقت الذي يتضور شعبه جوعاً.


تشير آخر التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية العاملة في كوريا الشمالية إلى أنّ البلد في حاجة إلى ما بين ستمائة وثمانمائة ألف طن من الحبوب هذه السنة بغية سد حاجات جميع المواطنين والحؤول دون كوارث جديدة. من أين سيحصل نظام كيم شونغ آيل على هذه الكمية من الحبوب؟ الأكيد أن العالم المتحضّر سيوفّرها له تفادياً لمجاعة جديدة من نوع تلك التي ضربت البلاد مطلع التسعينيات وأدّت الى وفاة عشرات الآلاف. لولا المجتمع الدولي الذي يرفض كيم الاعتراف به، لكان مئات الآلاف قضوا في السنوات الأخيرة جراء فقدان المواد الغذائية الأساسية فضلاً عن انتشار الأمراض في مختلف أنحاء البلاد خصوصاً بين الأطفال.


من الصعب فهم منطق النظام الكوري الشمالي وبحثه المستمر عن العزلة الدولية بدل الانفتاح على العالم والسعي إلى الاستفادة من المساعدات الدولية والتكنولوجيا الحديثة لرفع المستوى المعيشي للمواطن. ولكن ما العمل مع مثل هذا النوع من الأنظمة التي تضع مسألة بقائها في السلطة فوق كلّ اعتبار.


في الذكرى التاسعة لتولّيه السلطة خلفاً لوالده، كيم شونغ آيل الذي أسس أوّل جمهورية وراثية في التاريخ الحديث، غير مدرك أن في الامكان استخدام الأنابيب الطبّية لصنع أطفال، لكن تجربة انتاج رؤساء عن طريق الأنابيب لم تنجح بعد، ولن تنجح على الأرجح، اختار الرئيس الكوري الشمالي الاحتفال بالمناسبة على طريقته. أعلنت بيونغيانغ عن التجربة النووية متناسية الإعلان في الوقت ذاته عن عدد الأطفال الذين قضوا في ذلك اليوم بسبب سوء التغذية!


ما تعاني منه كوريا الشمالية لا علاقة له بالقنبلة النووية التي لن تفيدها في شيء بمقدار ما أنّها تكشف أن النظام يمارس عملية هروب إلى أمام. أنّه يمارس هذه العملية لأنّه نظام مفلس غير قادر على إطعام المواطنين وتوفير الحاجات الأساسية لهم.


في المستقبل المنظور، لن تنجح هذه القنبلة في الدفاع عن النظام. ستؤجّل القنبلة السقوط، لكنّها لن تحول دون الانهيار الذي سيأتي لا محالة. وبكلام أوضح، إن العالم لا يتحمّل أنظمة ستالينية تسعى إلى التعويض عن تقصيرها باعتماد القمع ليس إلا على الصعيد الداخلي والتظاهر بالقوّة على الصعيد الخارجيّ. أكثر من ذلك، يدرك العالم جيّداً أنّ النظام في كوريا الشمالية وجد ضالته في تجويع شعبه وإفقاره وتصوير أن البلاد تواجه خطراً خارجياً لتبرير وجوده.


عاجلاً أم آجلاً، سيسقط النظام الكوري الشمالي. كلّ ما يمكن قوله حتى يومنا هذا أن ما يفعله كيم شونغ آيل، “الرئيس المحبوب” من جميع مواطنيه استناداً إلى الشعار الذي يرفعه النظام، هو تأجيل السقوط المريع. قد يأخذ ذلك سنوات، لكنّ أنظمة من هذا النوع لم تعد تمتلك أيّة شرعية خصوصاً منذ انتهاء الحرب الباردة. يكفي للتأكّد من حجم الكارثة التي تعاني منها كوريا الشمالية المقارنة بينها وبين الجنوب الذي تحوّل إلى دولة صناعية متقدمة يوازي اقتصادها حجم الاقتصاد العربي كلّه.


هناك دولة في الجنوب، اسمها كوريا أيضاً، استطاعت ايصال وزير خارجيتها ليكون الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، فيما هناك في الشمال من ينام على الطوى… أو يبحث عن جذع شجرة يأكل بعضه أو عن أعشاب ترفضها الحيوانات لسدّ جوعه! ماذا تفيد القنبلة النووية في هذه الحال، هل هي أكثر من تعبير عن حال من اليأس يعبّر عنها نظام انتفت علّة وجوده وصار عالة على شعبه؟


استطاع النظام في كوريا الشمالية عزل نفسه عن العالم والعيش داخل عالم خاص به مستفيداً من أنه كان جزءاً من المعادلة الدولية خلال الحرب الباردة. وبعد ذلك، لجأ النظام إلى سلسلة من المناورات مكّنته من تجاوز القرن العشرين ودخول القرن الواحد والعشرين. استخدم لهذا الغرض الحديد والنار ولم يأبه بالكوارث التي حلّت بمواطنيه. والأهمّ من ذلك أن الصين حافظت على النظام لأسباب مرتبطة باستراتيجيتها السياسية في المنطقة. فالصين اعتبرت كوريا الشمالية جزءاً من نفوذها الاقليمي ومن دورها على الصعيد العالمي. ولا بدّ من التذكير هنا، أن الرحلات الجوية الوحيدة بين كوريا الشمالية والعالم تمرّ عبر الصين. لا خطوط جوية تربط كوريا الشمالية بالعالم خارج الصين ولا تزال كوريا الشمالية من بين الدول النادرة التي لم يدخلها الهاتف الجّوال.


يمكن للقنبلة النووية – في حال تبيّن أن التجربة النوويّة الكورية الشمالية حقيقية وليست كذبة، هذا النظام الذي يتاجر بتكنولوجيا الصواريخ مع ذلك النظام عربي أو غير عربي مفلس أو غيره- أن تؤجل سقوطه لا أكثر ولا أقلّ. فما يحافظ على الأنظمة في أيّامنا هو الاقتصاد القوي السليم أوّلاً والديمقراطية أوّلاً وثانياً وثالثاً ورابعاً.


هل حمت كل القنابل النووية والصواريخ البعيدة المدى العابرة للقارات الاتحاد السوفيتي؟ في النهاية انهار الاتحاد السوفيتي بسبب ضعف الاقتصاد. كان عملاقاً عسكرياً يقف على عكّازتين هما الاقتصاد الهش الذي كان وراء السقوط الكبير للقوة العظمى الثانية في العالم. ولم تكن هناك ديمقراطية تعوّض الضعف الاقتصادي وتمتص النقمة لدى المواطن العادي. هل كوريا الشمالية أهم من الاتحاد السوفيتي… وحتى من الصين التي عرفت على الأقلّ كيف تنفتح على العالم؟ ربّما كان كيم شونغ آيل يلعب آخر أوراقه، ذلك أن لكلّ كذبة نهاية.


كاتب لبناني مقيم في لندن

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock