ترجمات

القهوة والصبر: يوم في حياة عائلة لبنانية تستضيف لاجئين سوريين

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية – (موقع إيرين) 8/5/2013

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

البقاع، لبنان– قبل عامين من الآن، حيث بدأ تدفق اللاجئين السوريين عبر الحدود، فتحت العائلات اللبنانية منازلها لاستقبالهم. وخلافاً لما حدث في الأردن وتركيا والعراق، حيث يجري إيواء مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في المخيمات، استضافت الأسر اللبنانية غالبية اللاجئين عند بداية تدفقهم إلى لبنان. وقد استوعبت بعض الأسر اللبنانية ما يصل إلى ست أسر لاجئة معاً.
لكن عدد اللاجئين السوريين في لبنان ارتفع مع استمرار الصراع في البلد المجاور، وكذلك أيضاً حجم العبء على مضيفيهم اللبنانيين. واليوم، أصبح معظم الـ425.000 لاجئ سوري في لبنان يستأجرون المنازل أو الشقق، بينما تستضيف الأسر اللبنانية 6 % فقط من مجموع اللاجئين، وفقاً لمسح أجرته وكالة الأمم المتحدة للاجئين (UNHCR).
لإضاءة هذه الخبرة، قضى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (إيرين) يوماً مع بعض المضيفين اللبنانيين، ليقدم لكم هذه الصورة لعائلة تحاول تحقيق التوازن بين الالتزام والتضحية.
كانت سلسلة من تحولات القدر هي التي جمعت معاً عائلتين -واحدة لبنانية وأخرى سورية- واللتين لم تكونا على أي معرفة من قبل.
كانت العائلتان قد التقتا قبل 15 عاماً في سيارة أجرة مشتركة على الطريق إلى سورية، حيث كثيراً ما كانت العائلة اللبنانية تذهب لتسوّق المنتجات السورية بسعر أرخص. وبعد أن تصادقت العائلتان، أصبحتا تلتقيان مرة أو مرتين في السنة في سورية بعد ذلك.
وعندما بدأت إسرائيل قصف لبنان في العام 2006، كجزء من حربها مع حزب الله اللبناني، فر أفراد العائلة اللبنانية إلى سورية، حيث استضافهم معارفهم الجدد لمدة شهر. وبعد ست سنوات من ذلك، تبدلت المواقع.
في صباح هذا الخميس المشمس، تحضّر حنان إفطاراً لبنانياً بسيطاً من الخبز والخضراوات للضيوف في قرية سعدنايل السنية الصغيرة الواقعة في وادي البقاع اللبناني الشرقي. وتجلس هدى (7 أعوام)، وباسمة (14 عاماً)، وجداهما صديقة ومحمد على أرضية غرفة المعيشة، ويستعدون لتناول الطعام.
وتستضيف حنان العائلة المكونة من سبع لاجئين سوريين في منزلها المتواضع الذي يضم غرفتي نوم فقط طوال الأشهر الخمسة الماضية. وكان والدا الأطفال، فاديا وحسام، قد خرجا منذ الصباح الباكر، مثل حالهما كل يوم، للبحث عن عمل في المدن المحيطة بوادي البقاع. وخرج طفلهما الثالث؛ كمال، البالغ من العمر 10 أعوام، لجلب الماء من الخارج.
عندما تعرضت ضاحيتهم قرب العاصمة السورية دمشق للقصف في كانون الأول (ديسمبر) 2012، اتصلت فاديا وحسام بالناس الوحيدين الذين يعرفونهم في لبنان، وأجابتهما حنان على الفور. وتقول عن ذلك: “الأمر محزن. لم يكن لديهم مكان يذهبون إليه. لا يمكن أن أقول لهم لا. ستكون خطيئة بحق الله أن لا أساعدهم”.
لزوج حنان زوجة ثانية، ولذلك ينام في المنزل مرة فقط كل يومين. ولم يعد أبناؤهما الخمسة الراشدون يقيمون في المنزل أيضاً. ولذلك، تخلت حنان عن غرفة نومها للزوجين السوريين الشابين، وهي تتقاسم الآن الغرفة الثانية مع الجدّين والأطفال الثلاثة.
والآن، أصبحت حنان تقضي صباحاتها مع الجدّين، وتقطع دردشتها معهما كل خمس دقائق من أجل جمع الغسيل عن الحبال، أو إعداد القهوة، أو العناية بالحديقة، أو تفقد أطفال اللاجئين الذين يلعبون في الحقل المجاور. فقد وصل هؤلاء الأطفال لبنان في وقت متأخر جداً عن التسجيل في المدرسة.
لكن الجميع يساعدون في المهام المنزلية، حتى صديقة، التي تعاني التهاب المفاصل وآلام الساق. وتساعد فاديا في الطبخ والتنظيف عندما تعود إلى المنزل بعد البحث عن عمل. لكن هذا هو الجزء السهل، بقدر ما تشعر حنان.
تقول حنان بهمس: “كنت قد اعتدت على طبخ الكثير من الطعام لزواري، ولذلك لا أمانع في الطهي لعشرة أشخاص. ليس هذا الجانب اللوجستي هو الصعب. إنه الجانب المالي. إننا نكافح من أجل الحصول على ما يكفي من الطعام للجميع”.
وقد نفد المال من العائلة السورية. وهكذا، أصبحت حنان وزوجها وضيوفها السبعة يعيشون على القليل من المال الذي يحصل عليها زوجها من معاشه التقاعدي، ومن تأجيرهم حظيرة للخيول، ومن الثوم الذي يزرعونه في الفناء الخلفي، ويقايضونه بغيره من الخضراوات.
وقد توقفوا عن أكل اللحوم تماماً تقريباً، ولم تعد حنان وزوجها يشتريان ملابس أو أشياء جديدة للبيت. وتقول حنان: “لا أريد أن أقول لهم إن الوضع صعب، لأنني أخاف الله. في العام 2006، عندما مكثت في منزلهم كان الوضع مختلفاً. أقمت مع الجدّين، وكان ذلك لمدة شهر واحد فقط”.
عند منتصف النهار تقريباً، يشرع الزوار بالقدوم. الأوائل هم الجيران، ثمّ مدخنو الشيشة من أصدقاء ابن حنان، والبعض منهم جنود لبنانيون؛ ثم صديقاتها هي. ويمضون الوقت تحت ظلال الأشجار في الحديقة. القهوة تتدفق على الدوام. والزيارات لا تتوقف حتى وقت متأخر من العصر.
ويثرثرون عن كل شيء، وعن لا شيء، وعندما يتحول النقاش إلى الوضع في سورية، تنهض حنان من مقعدها وتختفي في المنزل، وتعثر لها على عمل تنشغل به. ومع أنها لا تقول ذلك، فإن هذه النقاشات تجعلها غير مرتاحة على ما يبدو. لقد تعبت من ذلك، على أقل تقدير. وتقول: “إنهم يقضون كل اليوم وهم يتحدثون عن سورية”.
عند الساعة الثانية ظهراً، تأتي الحافلة المدرسية ويهبط منها أطفال الجيران الذين ينضمون إلى الأطفال السوريين في مطاردة بعضهم بعضاً في أنحاء الحقل. وبعد وقت قصير من وصولهم، تعود فاديا من ساعات من البحث عن عمل. ولأنها لا تستطيع تحمل كلفة ركوب الحافلة كل يوم، فإنها تمشي في بعض الأحيان لعدة كيلومترات.
وعند الوصول، تتفقد أولادها، ثم تنتقل فوراً لمساعدة حنان في المهام اليومية. ولا تكاد تشرع في ذلك حتى يصل زائر جديد. جاء الممثل المحلي للحزب السياسي السني “تيار المستقبل” ليلمَّ بالمكان. (في بعض الأحيان يوزع قسائم الغذاء على اللاجئين السوريين، لكنه لا يحمل أياً منها هذه المرة).
ويقول أنور قوبَسي: “إنهم محظوظون لأنهم وجدوا عائلة مضيفة. هناك الكثير من اللاجئين السوريين الذين لا يملكون شيئا، ولا حتى سقفاً ينامون تحته”.
وتبدو فاديا متفاجئة قليلاً من قدومه وتحافظ على مسافة بينها وبينه. وكانت قد حاولت الإبقاء على وجود عائلتها غير ظاهر بأكبر قدر ممكن -ربما خوفاً من مشاعر الاستياء المتزايدة تجاه اللاجئين في لبنان. وهي لا تتقاسم أبداً آراءها في السياسة.
ويقول أنور: “لطالما كانت سعدنايل دائماً مجتمعاً (مضيافاً). أما الآن، فيمكنني أن أشعر بالعنصرية المتنامية. هناك الكثير من أبناء الشعب اللبناني الذين يعيشون في وضع صعب ولا يحصلون على أي مساعدة. ليس الوضع سيئاً (هنا) كما هو في بعض القرى الأخرى، حيث فرضوا حظر التجول على السوريين. لكن الناس أصبحوا يفقدون الصبر”.
ويبدو أن هذه العائلة المضيفة اللبنانية ليست استثناءً.
ربما تخشى الزوجة الله، لكن زوج حنان؛ علي، لا يتردد في التحدث صراحة عندما يعود إلى المنزل في وقت لاحق من فترة ما بعد الظهر.
وقال: “عندما أنام هنا، فإنني أضطر إلى النوم على الأريكة في غرفة المعيشة. أريد أن أنام في السرير نفسه مع زوجتي مرة أخرى. إذا استمر هذا الوضع لأكثر من شهرين إضافيين، سوف أقوم بنصب خيمة للأسرة في الحديقة. وإذا كانوا سيبقون على المدى الطويل، فسأبني لهم بناء دائماً”.
ثم توقف برهة للتأمل. وأضاف: “بالطبع يجب علينا مساعدتهم. كما يقول المثل العربي: ‘اللي بيشوفك بعين شوفو بالعينتين’. لكننا بحاجة إلى الخصوصية عند نقطة ما”.
بحلول الساعة الرابعة والنصف تقريباً، يبدأ الزوار بالتقاطر خارجين. ما يزال الأب السوري؛ حسام، في الخارج ولم يعد إلى المنزل بعد. وتأمل زوجته بأن تأخره يعني أنه عثر على وظيفة.
بينما يأخذ محمد، الجد، قيلولة في غرفة المعيشة، تتناول فاديا وحنان طاعم الغداء معاً. ولاستيعاب الدفق المستمر من الزوار، يترتب عليهم تناول الطعام في ورديتين. اليوم، تتناول الامرأتان الطعام أولاً. وهما تختلطان في العادة مع الرجال، لكن هذا التغيير في الظروف يجعلهما تضحكان. وتقول فاديا: “في التقاليد الدمشقية القديمة، يأكل الرجال قبل النساء. الآن يحصل عكس ذلك”.
وفيما بدت فاديا وحنان غير مرتاحتين لتحدث بعض الزوار في السياسة، كان الجو أثناء تناولهما الغداء أكثر استرخاء.
يعود حسام في نهاية المطاف، وهو ما يزال بلا عمل. ومع أنه محبط، فإن ذلك لا يظهر عليه. ويقول: “ما أزال أبحث عن وظيفة منذ خمسة أشهر حتى الآن، ولم أعثر على أي شيء. هناك الكثير من البطالة في المنطقة، وهم يعطون تشغيل اللبنانيين الأولوية على استخدام السوريين… يمكنني أن أعمل بأي عمل، بما أنه ليس متعباً كثيراً من الناحية الجسدية، لأن لدي مشاكل في القلب”.
ويدردشون معاً على الشرفة الأمامية حتى تغرب الشمس.
وفي الليل، يشاهدون مسلسلاً درامياً -مع الحرص على تشغيل التلفزيون فقط بعد انتهاء نشرة الأخبار. وتحاول حنان أن تصرفهما عن همومهما بأفكار أكثر سعادة. وتشرح: “نحن لا نريد متابعة ما يجري في سورية، الحديث عن ذلك مؤثر جداً من الناحية العاطفية على العائلة السورية. عند استضافة عائلة سورية، عليك أن تكون حذراً ودقيقاً حول المواضيع التي تتحدث عنها. عليك أن تكون صبوراً حقاً”. وعلى ما يبدو، يجب أن يكون لديك الكثير من القهوة أيضاً.
*نشرت هذه القصة تحت عنوان: Coffee and patience: a day in the life of a family hosting Syrian refugees

[email protected]

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock