آخر الأخبار حياتنا

القواسمة تتحدى الشلل الرباعي بخوض “الثانوية العامة”

ربى الرياحي

عمان- لم ترضخ صفية (19 عاما) لإعاقة الشلل الرباعي ولظروف الحياة الصعبة، ولتلك الأوجاع الجسدية التي تقتحم عليها سكينتها بين الحين والآخر، بل على العكس قررت أن تستلهم من كل المواقف المؤلمة ما يمنحها القدرة على الصبر والتحدي والمضي قدما بروح مفعمة بالأمل، وها هي اليوم تواجه المرحلة الأصعب في حياتها باستعدادها لخوض امتحان شهادة الثانوية العامة.

صعوبات كثيرة اعترضت طريق صفية أخرتها بعض الشيء، لكنها بالرغم من ذلك بقيت متمسكة بالحياة، متعايشة مع الشلل الرباعي الذي لازمها منذ الولادة. تقول صفية “أنا مدينة لأسرتي، التي كانت وما تزال لي السند والملجأ، جميعهم بدون استثناء، بدعمهم وتحفيزهم أصبحت شخصا حالما بالغد واثقا من إمكاناته”.

شغفها الواضح بالدراسة وتصميمها على أن تتذوق لذة النجاح دفعا أسرتها بكل ذلك الحب الذي يكنونه لها إلى تهيئة كل السبل أمامها، لم يتوانوا أبدا عن تقديم المساعدة لها سواء كان ذلك على المستوى الدراسي أو حتى النفسي.

أكثر ما يزعج صفية ويؤلمها هو صعوبة نقلها من مكان إلى آخر، مبينة أن “عبئا كبيرا يتحمله إخوتي كلما أردت الذهاب إلى الامتحانات، لعدم وجود مصعد، الأمر الذي يضطرهم إلى حملها محاولين بذلك إشعارها بأنها كغيرها، من حقها أن تعيش وتتعلم وتنجز”.

الإعاقة، رغم القيود المفروضة عليها، لم تمنعها يوما من أن تكون سعيدة. هي دائما قادرة على صنع الفرح متخطية الكثير من الإحباطات التي قد تؤثر عليها داخليا، قوية إلى الحد الذي يؤهلها لأن تتقلد أوسمة التميز والنجاح عن جدارة.

صفية بقلبها الذي لا يعرف إلا الحب تحاول أن تثبت ذاتها، أن تطالب بحقوقها كاملة متجاوزة بذلك سلبية البعض وقسوتهم، وتحديدا أولئك الذين يرونها لأول مرة، هؤلاء بالذات يفتقدون تماما للباقة لا يكترثون بمشاعر أحد، بل على العكس يطلقون كلماتهم الجارحة بدون تردد مع نبرة استنكار.

وتقول “أشعر بالحزن على نفوس ترفض أن تقيم الشخص بناء على قدراته العقلية متعمدة الوقوف عند المفهوم الضيق للإعاقة”.

قرب صفية من الجميع، ورغبتها في أن تشاركهم كل اللحظات بحلوها ومرها، يشجعانها على أن تكون حاضرة في جميع المناسبات العائلية والاجتماعية، مقررة أن تثور على كل الأسباب التي من شأنها أن تعزلها وتبقيها هناك خلف جدران باردة صماء تدين النجاح وتخنق الإصرار على الحلم. هي تؤمن بأن لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، وتحاول من خلال ذلك أن تنتصر على كل المخاوف التي تباغتها أحيانا راغبة في أن تكون شخصية استثنائية في كل شيء تفعله.

وتؤكد صفية أن المرحلة الأصعب والأدق هي التي تعيشها اليوم باعتبارها مرحلة مصيرية ترسم لها شكل حياتها المستقبلية وتهيئها لأن تخوض تجارب جديدة وتحديات تتطلب منها أن تكون أكثر ثقة بإمكاناتها، وتبين أن ما يهمها في الوقت الحالي هو أن تحصل على معدل عال في التوجيهي يمكنها من دخول الجامعة والالتحاق بتخصص البرمجة، الأمر الذي سيسعدها كثيرا وسيقربها حتما من أمنيات تأبى أن تخضع لعثرات الواقع وتقلباته.

بابتسامتها الرقيقة الدافئة وإحساسها الصادق وطموحها الذي لا يعرف اليأس حجزت لنفسها مكانا مميزا بين كل من يعرفها، وأثبتت أن الإعاقة حافز لخلق الإبداع من رحم الحرمان.

تقديرها لذاتها ويقينها بأن الحياة قادرة على أن تهبها كل ما يليق بصبرها وتحملها، يدفعانها لأن تحارب العجز وتتمرد على تلك التشوهات الفكرية والخلقية التي تسيطر على البعض، وتمنعهم من أن يتخلوا عن اتهاماتهم غير المبررة والمنصبة جميعها حول فكرة الفشل والهزيمة.

وترى صفية أن الحياة، رغم قسوتها في بعض الأحيان، إلا أنها تتسع حتما لأحلامها الكبيرة ولتطلعاتها نحو مستقبل مشرق تريد أن تخط تفاصيله بقوة وعزيمة وإصرار، وتتخذ من كل التجارب التي عاشتها وستعيشها لاحقا اللحظات الإيجابية فقط، لتستطيع أن تحدث علامة فارقة في حياتها وتكون قادرة في المقابل على رد الجميل لأسرتها التي تقاسمها الوجع قبل الفرح باعتبارها الداعم الأول لها.

تقول “سعادتي الحقيقية هي عندما يتسنى لأحلامي تلك أن تغادر عبثية الوهم، ويصبح بمقدوري أن أباهي بها العالم وأرد على كل الألسنة التي توقعت سقوطي وقللت من شأني”.

ما تحلم به صفية هو أن تؤسس جمعية تساعد من خلالها كل شخص لديه حلم يرغب في تحقيقه وإخراجه إلى الضوء، وأيضا تتمنى أن تؤلف كتابا تنثر فيه كل تجاربها والمواقف المهمة التي تختصر مشوارها نحو التميز والنجاح، قاصدة من وراء ذلك كله بث الأمل في نفوس محرومة تبحث عن نقطة تحرر، تمنحها شرف المحاولة والتخطيط لواقع أجمل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock