آخر الأخبار حياتنا

القيم الأخلاقية وأثرها في بناء المشترك الإنساني

يعدّ الإصلاح الأخلاقي من أبرز مقاصد القرآن الكريم وأهدافه وغاياته؛ حيث بين الله تعالى في كتابه الكريم أن تزكية الأمة وتحليتها بالفضائل والقيم هي من أعظم مقاصد بعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأهداف رسالته، وهذا ظاهر في كثير من آي الكتاب الكريم كما في قوله تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين﴾، وهذه الآيات وغيرها كثير تؤكد مركزية الأخلاق في الشريعة الإسلامية ومكانتها المحورية في الاعتبار المقاصدي حتى إنها مثلت غاية الشريعة الكبرى ومقصدها الأول، وأكد هذا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
بالرغم من الفروق الجوهرية بين النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم وبين النظرية الأخلاقية في الفلسفات المادية والمذاهب الوضعية، فإن ثمة مساحة واسعة للاشتراك والالتقاء الإنساني في العديد من القيم والفضائل، ذلك أن الفطرة الإنسانية التي خلق الله الإنسان عليها، هي مصدر أساس من مصادر تكوين الأخلاق وتشكيلها واعتبارها، ومهما اختلف الناس -أفرادا أو أمما- في تقييم بعض الأفعال، فإن هناك فضائل وأخلاقا يشتركون جميعا في حبها وتقديرها؛ كالصدق والأمانة والوفاء والعدل.
ومهما اختلفوا في عقائدهم وفلسفاتهم ومناهجهم، فإن هناك رذائل وأخلاقا سيئة يشترك الناس جميعا في بغضها وقبحها، كالظلم والعدوان والكبر والكذب والخيانة والأثرة والغدر، وإن اشتراك الناس بمختلف أجناسهم وأديانهم وأوطانهم وعصورهم وطبقاتهم وأحوالهم في هذه الميول الخلقية، وتجذُّرُها في نفوسهم، هي بسبب فطريتها التي يشتركون جميعا فيها، فجيمع الناس يشتركون في المعاني الفطرية والطبائع الفطرية.
والملاحظ أن جميع الأخلاق الفطرية هي أخلاق قرآنية أيضا، لأن القرآن يؤكد مقتضيات الفطرة وموجباتها، كما أن جميع الأخلاق القرآنية هي أخلاق فطرية أيضا، لأنه لا توجد قيمة خلقية قرآنية إلا والفطرة تنزع إليها وتتوافق معها وتحض عليها، وهذا ما يجعل القيم الأخلاقية القرآنية أساسا قويا لبناء الأرضيات المشتركة الجامعة بين الناس باعتبارها قيما فطرية إنسانية.
وينبه القرآن الكريم إلى دور القيم الأخلاقية في بناء المشتركات الإنسانية وذلك في إشارته إلى العديد من القيم التي تلتقي عليها جميع الشرائع السماوية وإن اختلفت في زمانها واختلفت وفي مكانها واختلفت في رسلها وأنبيائها، قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
فالإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين، وقول الكلمة الطيبة، وتزكية الأنفس هي جميعها مشتركات أخلاقية بين جميع أتباع الشرائع السماوية.
ويوجه الريسوني سبب هذا الاشتراك في القيم والأخلاق الكبرى بين جميع الشرائع المنزلة، فيقول “الكتب المنزلة متعددة مختلفة باعتبارات، ومتحدة مشتركة باعتبارات أخرى، الكتب المنزلة -والشرائع المبثوثة فيها- تتفق في أمور وتختلف في أمور، وما دام موضوعها هو الإنسان، في جوهره وطبيعته، في خصائصه ونقائصه، وفي صفاته ومقوماته، في ميوله واحتياجاته الأساسية، في هذه الأمور كلها: الإنسان هو، من آدم إلى آخر ولد آدم”.
ما دام الأمر كذلك، فلا بد أن تكون هناك أشياء كثيرة يشترك فيها الناس، على الأقل في أصولها وجملتها، وأن يركز على المحاور الجامعة والقضايا المشتركة، والأصول الراسخة، والقيم الإنسانية الكريمة التي لا يختلف علي حسنها أحد.
وكان من ثمرات هذا النجاح ونتائجه المباركة أن أعلن النجاشي نفسه تأييده للدعوة الجديدة وأتباعها، لأنه آمن بأن دفاعه عنهم هو دفاع عن ذات القيم والأخلاق التي جاء بها المسيح عليه السلام، بل دفاع عن كل الرسل والرسالات، وعبر عن ذلك بقوله “إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا، فَلَا وَاَللَّهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إلَيْكُمَا، وَلَا يُكَادُونَ”.
وهذا يؤكد قوة القيم الأخلاقية في تشكيل المشتركات الإنسانية الكبرى، وصلاحيتها في البناء عليها وتأسيس التكتلات والتحالفات بالتعاون مع كل من يؤمن بالقيم الإنسانية الجامعة، بقطع النظر عن دينه ومعتقده ومذهبه، وهذا يدعو المسلمين اليوم لإنشاء مثل هذه التحالفات والتكتلات والمواثيق والمعاهدات التي تخدم أصولا أخلاقية، وتنتصر لقضايا قيمية، وتخدم مشتركات فطرية وإنسانية، حتى لو كان بعض أطرافها غير مسلمين ولا موحدين.
فالانتصار للقيم الأخلاقية هو انتصار للإسلام نفسه، وهو تحقيق لمقاصد القرآن وتعزيز لأهداف الدعوة وغايات الرسالة، وتجديد لمعاني التزكية التي أرسل من أجلها الرسل، وأنزلت من أجلها الكتب، ونجد تجليات ذلك في إيجاد القواسم والقواعد المشتركة بين الناس.
في المرافعة الناجحة التي قدمها الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب، أمام النجاشي؛ إذ كان بيانه وخطابه مرتكزا على إبراز القيم الأخلاقية المشتركة التي يلتقي عليها كل أصحاب الفطر السوية، وتقررها جميع الشرائع السماوية، وارتكزت مضامين خطابه على جملة القيم الأخلاقية التي يدعو إليها الإسلام، وذلك بقوله: “أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك؛ ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك”.
ونجح هذا الخطاب الذكيّ والحكيم في الوصول إلى عقل وقلب النجاشي وفي تشكيل قناعة لديه بصحة الرسالة وعظمتها، لأن الداعية الذي تربى على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان ناجحا في أسلوبه وخطابه وفي انتقاء مضامين بيانه، وعرف كيف يبرز المعاني الجامعة التي يتوافق عليها كل أصحاب الفطر السليمة.

الدكتور عبدالرحمن الكيلاني
رئيس رابطة علماء الأردن

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock