في تمام الساعة الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم الصّيفي… اكتمل وصول الوفود. عشرات الآلاف من الشباب والشابات جاءوا من كل بقاع الأرض ليلتقوا، ويُقيموا احتفالاتهم الصّاخبة. لكن، وعلى الرّغم من كلّ هذه الأعداد الهائلة فقد كانت الساحة الرئيسة للعاصمة الكورية الشمالية قادرة على استيعابهم.


جماعات بزيّها الشّعبي انتشَرَت هنا وهناك، وبدأَت بإقامة عروضها. ثمّة من كان يرقص، ثمّة من كان يُغنّي. بعض فِرَق المسرح اتّخَذَت أمكنة خاصّة لها ونصَبَت فِخاخها الغرائبيّة في الهواء الطّلق تمهيداً لاصطياد الجمهور. الكوريون ظهروا بلباسهم المميّز الذي كان مزيجاً من اللونين الأحمر والأزرق، الأميركيّون الجنوبيون أشرعوا غيتاراتهم وانخرطوا في نوبات من العزف والغناء. بالنّسبة لي فقد كانت تلك اللحظة لحظة لذّيّة بامتياز، فلأوّل مرّة في حياتي أشتبك بهذا الحشد العظيم من الناس، ولهذا رحت أتحرّك هنا وهناك، وأرمي بجسدي في لجة الفوضى التي تتلاطم.


مثل هذه الوقائع التي أتحدّث عنها لم أكن أُخطّط لأرويها على مسامع أحد، فهي لم تكن ضرورية إلا من جانب صلتها بحكاية أخرى هي بمثابة بيت القصيد في نصّ الغرابة الذي كان يجري تدبيجه عصر ذلك اليوم.


هدأَتْ الضّجة، وانتشرت تلك الجماعات في أركان الساحة في محاولة منها للتّعرّف على تفاصيل المكان. كان أكثر ما شدّها هو تلك التّماثيل العملاقة ذات الملامح الحادّة والنّظرات الغريبة. من يتأمّل من؟ في الواقع لم يكن أحد ليعرف على وجه الدّقّة مَن الذي كان يتفرّس هيئة الآخر، النّاس أم التّماثيل! لكنّ ذلك أيضاً ولتعذروني لم يكن هو ما قصدت أن أحدّثكم عنه.


متمشّياً مع صديقتي رحتُ أحدّثها عن فكرة التّمثال الذي يصنعه الإنسان، وكيف أنّها تنبثق لديه من إحساس عالٍ بالفقد. كنت أقول لها إنّ هذه المسألة من أوّلها إلى آخرها تتعلّق بنوع من التّعويض عن حالة التّلاشي التي تؤول إليها الحياة البشريّة، وفي ذلك فالتّماثيل ما هي إلا سلالة أخرى يؤلّفها البشر مثلها مثل سلالة الأبناء والأحفاد. قلت لها إنّ الصّور التي تطلع لنا في المرايا هي أشكال أخرى من التّماثيل. عند هذه النّقطة من الحديث عن التّماثيل والمرايا، لاح لي من بعيد وجه أليف لرجل أعرفه، حين اقترب منّي رحت كالمذعور أتفرّس ملامحي التي يحملها، فقد كان يشبهني تماماً، ويبدو كنسخة أخرى لي. كان الرجل يجرجر قدميه بتثاقل بالطّريقة نفسها التي أمشي بها، ويتقدّم منّي مصطحباً صديقته معه. توقّف الرجل أمامي، فتبادلنا النّظرات المريبة إيّاها، وابتسمنا الابتسامات البلهاء إيّاها. مدّ كلّ منّا يده ليسلّم على الآخر، وفي اللحظة التي تلامست فيها الأصابع تحطّم شيء ما خفيّ في المكان. صوت تكسّر زجاج سُمِعَ بوضوح جعل الحاضرين يجفلون ويُصوّبون نظراتهم باتّجاهنا. سلّمنا على بعضنا بعضا، ورحنا كالمجانين نضحك بصوت مسموع هذه المرّة.


كان هذا اللقاء من الغرابة إلى الحدّ الذي أحسست فيه أنّ الحكاية لا تتعدّى كون أحدنا (أنا أو هو) يتأمّل صورته في المرآة. لكنّ ذلك الحشد من الناس الذي اجتمع حولنا جعلني أغيّر هذا الاعتقاد، هذا بالإضافة إلى أنّ صديقتي وصديقته كانتا على درجة كبيرة من الاختلاف، فلو كانت الحكاية حكاية مرايا لكانت المرآتان متطابقتين في الصورة كما حدث معي ومع شبيهي أو لأقل قريني على وجه التّحديد.


[email protected]

‫3 تعليقات

  1. يا ليت …
    قطعة فلسفية جميلة ، ..
    واعجتبني عبارتك التي قلت فيها (رحتُ أحدّثها عن فكرة التّمثال الذي يصنعه الإنسان، وكيف أنّها تنبثق لديه من إحساس عالٍ بالفقد)، لكن يا ليتنا نتقن ذلك الشيء .

  2. إذا بليتم فاستتروا
    مقال أدبي جميل، ولا أكتب منظرا أخلاقيا، ولكن لم يكن ليختلف المقال إن كنت مع صديقك يا يوسف وليس صديقتك.

    قال تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } .

  3. ماذا اردت
    اللغة كالعادة لا يشق لها غبار
    ولكن اسمح لي.. لم افهم ما رميت اليه

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock