أفكار ومواقف

الكتابة مهنتي

الكتابة مهنتي. هذا ما استقر عليه رأيي أخيرا. مارستها لأكثر من ثلاثين عاما كعمل أعيش منه.
ثلاثة عقود فقط احتجتها كي اتيقن من أنني صالح للكتابة.
بت مدركا أنني أستطيع الكتابة عن هشاشة المنطقة المبتلاة بنزاعات لا يمكن حلها، وعن هشاشتي الشخصية كإنسان يعيش ليعد الأيام، فأنطلق بكتابة ذاتية من نفسي وما أشعر به من نوازع ذاتية، فتتضخم الأنا لدي حتى أطمح إلى أن أعمم تلك الكتابات لأجعلها قضية رأي عام، مثلا!
ترى، كيف استطعت ذلك؟!
قرأت درويش. ربما لا تؤشر الجملة إلى حقيقة الوضع تماما، ففيها من التبسيط ما يجعلها سخيفة بتميز. حسن إذن؛ قرأت درويش البدوي، وقرأته عالميا، واستطعت أن أتبين ما بين الاثنين من فروقات.. أحسبها غابت عن كثيرين.
هذا بالنسبة لدرويش، ولكنني قرأت أيضا يانيس ريتسوس؛ “حاشية الانتصار” و”سيدة الكروم”، وتبينت تماما كيف يمكن للكاتب أن يكون تفصيليا وغير ممل، ومتباهيا بالطريقة التي يلتقط فيها التفاصيل من يومه العادي جدا.
هل هذا كل ما في الأمر. أبدا. قرأت أيضا بدر شاكر السياب. أحببت أنشودته الخاصة بالمطر، واعتبرتها أنشودة خالصة للحياة وهو يعبر عن لهفة (الوليد – الإنسان)، وتصوراته.
وقرأت محمود الريماوي في عزلته التي جاءت أقل بقليل، فقط، من عزلة غاربييل غارسيا ماركيز وهو يكتب عن “شمل العائلة”. هو شمل لا يتم جمعه بالحياة، بل بالموت وكل ما فيه من صور نحاول أن نجعلها حقيقية.. لكنها تبقى خادعة.
هكذا أصبحت كاتبا.
قرأت نجيب محفوظ في مرحلة مبكرة من حياتي، واختبرته بجميع تحولاته التي عبر عنها سياسيا واجتماعيا وفلسفيا، فبدا، بالنسبة لي، غير منحاز سوى إلى الطبقة، أو بمعنى أدق إلى التحولات الاجتماعية وحركيتها التي تحكم تنقل الأشخاص من طبقة إلى أخرى.
وقرأت أيضا صنع الله إبراهيم، وتعلمت منه الانحياز السياسي حين تؤمن أنه ما من طريق سوى الإيديولوجيا لكي تطبق ما تؤمن به من أفكار.
لكن، ومع كثرة القراءات، لم أغرم بأي كاتب بقدر ما أغرمت بالسوداني الطيب صالح. كنت أحيل الأمر إلى أن اسمه يشتمل على اسم ابي: صالح، وأنني سأبقى أسير هذا الاسم ما حييت، حتى أنني أطلقته على نجلي البكر بعد سنوات طويلة.
فهل كان الأمر كذلك حقا، أم أنه مختلف تماما.
بالنسبة لي، ظلت رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” لغزا لم استطع تبينه!
قدمت لي الرواية صورتين مهمتين؛ الأولى عن إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب، والثانية أنها عرفتني للمرة الأولى على المجتمع السوداني، خصوصا الريفي. لكن سؤالا ظل عالقا في ذهني: هل رفض مصطفى سعيد حياة الشمال- الغرب، أم أنه رفض حياة الشرق القديم بخرافاته ورتابته؟!
لم استطع أن أعرف لماذا قرر البطل عدم الخروج من الماء. هو لم يمت. بالتأكيد هو هرب من حياة راكدة لا يمكن أن تؤشر إلى أي جديد قادم.
ولكن، من قال إننا لا نتعلم إلا من الكتابات الجيدة؟!
حسنا، أنا تعلمت أيضا من الرثاثة والضعف وعدم الإتقان كما هو الحال مع رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل التي جاءت مزرية وبلا أي إبداع. وتعلمت من رومانسية محمد لطفي المنفلوطي غير المنضبطة في “تحت أوراق الزيزفون”، والتي لم تؤشر إلى مكان أو بيئة.
لكنني بالتأكيد، أدين بالكثير لغالب هلسا، ولـ”وجوه بغداد” و”زنوج وبدو وفلاحون”. أدين لتيسير سبول في مرثيته الوطنية غير الغامضة “أنت منذ اليوم”، وأدين لأصدقاء كثيرين كانوا يرشدونني دائما إلى الكتب التي ينبغي أن أوجه قراءتي إليها.
بكل تلك التفاصيل، أصبحت القراءة مهنتي، وأصبحت الكتابة مهنتي، فعشت حياة من التخبط مستمرة منذ عقود.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock