أفكار ومواقف

الكتّاب والتُقية الحديثة!

على مدار قرون عديدة تعامل العالم، والشرق على وجه الخصوص، مع التقية كواحدة من آليات الدفاع عن الوجود الجمعي، وأحيانا كحبل نجاة أخير للحياة الفردية. رأينا ذلك في مفاصل عديدة من تاريخ الخزي البشري الذي تعامل مع الإنسان على أساس هويته القومية أو الدينية أو الفكرية والثقافية، فأزهقت أرواح ملايين الناس تبعا لذلك.
على امتداد تلك الفترات المظلمة، ظل التعاطف هو محركنا الأساسي مع أولئك الذين اضطروا إلى إظهار عكس ما يخفون، فقد أرادوا على الدوام حياة شبه طبيعية، يحتفظون فيها بمعتقداتهم من دون جلبة، وبحياتهم من دون أن يضطروا لمواجهة فقدانها.
اليوم تبدو الصورة مغايرة لمن يمارسون التقية. فمثلا؛ وعلى طريقتهم الخاصة لأن يكونوا مدنيين وديمقراطيين وقابلين لان يتناسبوا مع معايير القرن الحادي والعشرين والثورة التكنولوجية الرابعة، يتفق كثيرون على مهاجمة مكونين؛ الدين والعشائر، وقذفهما بكل ما في جعبتهم من تهم وأفكار، بعضها متخيل، عن الدور الذي يقوم به كل مكون.
أحب أن أقرأ لأولئك النفر الذين يريدوننا أن نفهم أنهم اختراقيون وتنويريون ومستقبليون، خصوصا وهم أساسا يحاولون الحط من شأن الدين بدعاوى حقوق الإنسان، بينما هم آخر من يحق لهم الحديث في شؤون الحريات بشكل عام، أو وهم يحاولون إفهامنا أنهم يفرقون بين العشائرية والعشائر، في إعادة عبثية لـ”كليشيهات” حفظناها عن ظهر قلب منذ عقود، بينما هم في الحقيقة لا يفرقون بين المفهومين، بل يأخذون المسألة سلة واحدة.
المشكلة الكبرى في هذا السياق، أن أي شخص يتصدى لتبيان فساد الأفكار التي ينطلق منها أولئك في كتاباتهم، لا بد أن يتهم بالرجعية، كون الحداثة اليوم تتمثل في مهاجمة الموروث، أيا كان نوعه وشكله، وهي جواز دخول لـ”منتديات” عقيمة، تراوح أفكارها التي تتقصى دائما معايير الشتم والردح، لا مداولة الأفكار والبحث فيها.
لا أدعي أن كل من كتب في العشائر أو التدين هو بالضرورة من هذا الجنس، فهناك، فعلا، من يفرقون بين العشيرة كمكون اجتماعي وثقافي، وبين العشائرية. ولكن كثيرين لم يعرفوا بعد أنه ومنذ أكثر من عقد، تكسرت سلطة العشيرة (العشائرية)، وتراخت قوتها في دفع أبنائها إلى الوظائف العليا، أو تحقيق منافع ومكتسبات أخرى لهم. كما خفتت قوتها في الحياة العامة بشكل عام، ولكن كتابا بعينهم، لم يستطيعوا حتى اليوم رؤية هذه التحولات الجذرية، وما يزالون ينطلقون في كتاباتهم “الاستشرافية” من المفاهيم القبلية التي سادت إبان تأسيس الأردن، والمحاصصة التي كانت قائمة حينها. خيار الكتابة هذا ليس خطأ معرفيا بقدر ما هو عدم رغبة في رؤية واقع الحال الذي يقول إنه لم يتبق سلطة للعشيرة، وما هو قائم اليوم هو سلطة محسوبيات وعلاقات عابرة للعشيرة والعائلة، قائمة على المصالح والشراكات، ولا تأخذ البعد العشائري في الحسبان.
الدين، مجال آخر لإظهار عضلات “الفكر المدني”، فنرى كثيرين لا يحفظون آية واحدة يتطاولون على الدين ويصطدمون بوجدان مجتمع بأكمله من دون أن يمتلكوا ما يؤهلهم لأن يدخلوا في أي نوع من النقاش في هذا المجال.
والمعضلة في سياق ناقدي الدين والتدين هو أنهم لا يفرقون من قريب ولا من بعيد، بين الدين كنص قائم، وبين الممارسة التي شابها الكثير من التغيير والتبدل على مدى قرون من التدين تداخل فيه السماوي بالبشري. بينما أولئك الكتاب يأخذون الأمر في سلة واحدة من دون تمحيص!
هناك من يعانون من تجارب شخصية، وهناك من يريدون التقرب إلى الليبراليين، فلا يجدون سوى العشائر والدين ليصبوا عليهما غضبهم المريض. وهناك وصوليون ومرضى نفسيون وأصحاب أجندات وخبثاء وأغبياء، وجميعهم يسهمون في جدل بيزنطي لا يؤسس لأي معرفة أو تغيير.
ونعم، أيضا، هناك مثقفون حقيقيون يريدون تغييرا إيجابيا، ويطرحون أفكارهم في هذا السياق، لكن المشكلة أن صوتهم أقل حدة من أولئك المدّعين.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock