أفكار ومواقف

الكورونا بنسختها العربية

بالرغم من التفاوت الواضح في مستوى التكنولوجيا والمعرفة والدخل والخدمات الصحية بين الفلسطينيين والإسرائليين فقد فاقت معدلات التفشي للوباء في الأوساط الإسرائيلية انتشاره بين الفلسطينيين وبمعدلات تدعو للتساؤل. حتى مساء الأحد وصلت أعداد المصابين في إسرائيل إلى ما يزيد على 8611 حالة في الوقت الذي لم يتجاوز عدد إصابات الفلسطينيين حاجز الـ300 إصابة. أيا كانت الأسباب فهناك ما يدعو للاستفسار والتساؤل. هذه الملاحظة ليست الوحيدة فقد ظهرت عشرات الأسئلة التي لا يجد المرؤ متسعا من الوقت للتأمل والبحث، خصوصا ونحن نجابه هذا الخطر الداهم وفي أيدينا القليل من الخبرة والحكمة والأدوات.
المتابع لأخبار فيروس الكورونا وآثار تنقله بين أقطار وشعوب الأرض يصاب بصدمة ويقف عاجزا عن الإجابة على الأسئلة والملاحظات التي تتولد عن جسامة الأثر وأعداد وحجم الإصابات وتباين نسب الوفيات بين دولة وأخرى.
الوباء الذي فتك في البشرية كشف قصور العلم وضعف الاستعداد وتدني مستوى التكيف للكثير من القوى والبلدان التي أبهرت العالم بتقدمها وإنجازاتها التكنولوجية. بعض الدول فقدت القدرة على السيطرة والتحكم فيما تمكنت أعداد محدودة من الدول على خلوها من الفيروس. في الأقطار العربية التي وصل الفيروس إلى 16 منها تبدو الصورة محيرة ومثيرة للأسئلة والاستفسارات.
فبالرغم من حميمية العلاقات وكثافة الاتصال والتفاعل الوجاهي في أوساط العائلة والجماعة العربية لا يزال الوباء أقل انتشارا مما هو عليه في البلدان الصناعية كما لا تزال نسب الوفيات بين المصابين أدنى من نسبها في العديد من بلدان العالم الصناعي والأقاليم الأخرى.
هذا ومع الإقرار بحقيقة أن الوقت لا يزال مبكرا للوصول لاستنتاجات تفسر هذا الواقع نجد من المفيد طرح بعض الفرضيات والأسئلة التي تحتاج إلى بحث وتحقق. الأسئلة المطروحة تتعلق بأسباب انخفاض عدد الإصابات في أقطار العالم العربي مقارنة بدول العالم الصناعي ومدى ارتباط ذلك بعادات سلوكية وممارسات تمتاز بها الثقافة العربية الإسلامية كالوضوء والتنظيف المستمر لمجاري التنفس؟ وفيما إذا كان لهذه الممارسات أثر مهم في الحماية والتقليل من الانتشار.
أما السؤال الثاني فيتعلق بمدى تأثير طبيعة المطبخ العربي وما يقدمه من وصفات وأطباق على ظهور وانتشار الفيروس. فالمعروف أن المطبخ الشرقي مالح «SALTY» ويمتاز بالاستخدام المفرط للأملاح والليمون والفلفل والثوم بكثافة وتزين الموائد بعشرات الأطباق المملحة والمخللات بما في ذلك الزيتون والخيار المحفوظ بالملح والليمون.
وأخيرا هل يمكن أن يكون لدى الجنس العربي وكنتيجة للعيش في المناطق الصحراوية الجافة والمغبرة لأجيال خصائص وسمات عضوية أو جينية ترفع من مقاومتهم وتزيد من تحصينهم. هذه الأسئلة وغيرها ينبغي أن تكون ضمن استمارات تزود بها فرق الاستقصاء الوبائي لزيادة معرفتنا بخصائص المسبب وطبيعة المضيف والظروف التي قد تساعد على الانتشار أو الانحسار لهذا الفيروس.
حتى مساء الأحد ومع مرور أكثر من أربعة أسابيع على تسجيل أول حالة في العالم العربي بقي مجموع الإصابات التي سجلت في 16 دولة عربية أقل مما سجل في أي من الدول الصناعية التي ضربها الوباء. حيث لم يتجاوز مجموع عدد حالات الإصابة في البلدان العربية 14 ألف حالة، ويشكل هذا الرقم أقل من 5 % من أرقام الإصابات التي سجلت في الولايات المتحدة التي يقارب عدد سكانها تعداد سكان العالم العربي، وأقل من سدس عدد الحالات التي سجلت في إيطاليا التي لا يشكل سكانها أكثر من 60 مليون نسمة أو ما يعادل سدس سكان العالم العربي. في العالم العربي الذي يسكنه 362 مليون نسمة أو ما يقارب 5 % من سكان العالم لم تتجاوز نسبة الإصابات 1.08 % من مجموع الإصابات المسجلة في العالم وهي أقل من نسب الحالات المسجلة في أي من كندا أو هولندا أو بلجيكا أو سويسرا أو تركيا أو إنجلترا وإيران والصين وفرنسا وألمانيا.
باستثناء الجزائر التي سجلت نسبة وفيات عالية جدا، فقد بقيت نسب الوفيات بين المصابين في العالم العربي بدون الجزائر أدنى من المعدل العالمي بكثير وبحدود 2.5 %.
نتمنى على من يديرون الاستقصاءات الوبائية ويقابلون المخالطين لإجراء الفحوص السؤال عن العادات الغذائية والسلوك المتعلق بالوضوء والاستنشاق لتشكيل تصورات أولية يمكن أن توجه البحث والتجارب الموجهة إلى دراسة سلوك الفيروس ونوعية البيئات التي يعيش ويتكاثر فيها وصولا إلى أفضل الممارسات والإجراءات الوقائية السليمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock