أفكار ومواقف

الكورونا واختبار الإعلام

الوفاءُ بحق الأفراد في المعرفة هو الوظيفة الأساسية للإعلام، ومن أجل ذلك كان الإعلام سلطةً رابعةً وكان الدفاع عن الوصول لأدواته والحصول على المعلومات التي تمكنه من الوفاء بهذه الوظيفة مطلبًا مفصليًا من أجل أداء هذه الوظيفة التي تمكن الأفراد من تكوين الآراء وتشكيل المواقف وممارسة الرقابة الشعبية.
يحضرني في هذا السياق عبارات وردت في حكم مجلس الدولة المصري الشهير في قضية إلغاء صحيفة مصر الفتاة الصادر عام 1951م جاء فيه: “ومن حيث أنّ المحكمة بالمبادئ التي قررتها في هذا الحكم، تقيم حرية الصحافة على ركن من أركان الدستور، إذ أنّ حرية الصحافة هي السياج لحرية الرأي والفكر، وهي الدعامة التي تقوم عليها النظم الديمقراطية الحرة. إلا أنّ المحكمة يعنيها في الوقت ذاته أن تنبه إلى المسؤوليات الخطيرة التي تلقيها هذه الحصانة على عاتق الصحافة، وإلى وجوب الاضطلاع بهذه المسؤوليات لوجه الوطن والمصلحة العامة، فبقدر الحرية تكون المسؤولية. وإذا كان الدستور قد كفل للصحافة حريتها وعصمها من تعسف الإدارة؛ فذلك لأنّه افترضها صحافة رشيدة، لا تميل مع هوى، ولا تتجه إلا إلى مصلحةٍ عامة”.
خلال أزمة تفشي وباء كورونا تصدر الإعلام المشهد بوصفه الناقل للمعلومة والأمين على حق الأفراد في المعرفة. وسلط الضوء هنا على ثلاثة محاور تناولها الإعلام خلال هذا الظرف الطارئ كان لها دور محوري في نقل المشهد العام:
أولًا: وضع الإعلام تحت المجهر عدة قضايا تتعلق بحقوق فئات قد تعاني من انتهاكات مركبة خلال الظروف الاستثنائية، حيث عولجت قضايا تفصيلية تتعلق بقضايا الطفولة كقضية استزارة الأطفال والعنف الذي قد يقع خلال هذه الفترة عليهم والتعليم عن بعد ومدى تحقيقه للعدالة وقضايا تحصيل النفقة، بالإضافة إلى قضايا كبار السن وحقهم في الرعاية والوصول إليهم وغير ذلك الكثير. كما تمّ إفراد مساحة كبيرة خلال هذه الفترة للقطاعات المتضررة من تبعات الإجراءات المتخذة لمواجهة فيروس كورونا وخاصة العاملين في القطاع الخاص وعمال المياومة، وهو الأمر الذي نقل صورة هذا المشهد وشكل مرجعًا للجهات المعنية لاتخاذ قرارات تخفف من وطأة هذه المرحلة وتضع حدًّا للعديد من التجاوزات.
ثانيًا: وضع الإعلام في الميزان أيضًا قضايا شغلت الرأي العام، كالحق في الحياة الخاصة للأفراد ومدى انتهاك ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي لهذا الحق. ومدى أهمية بعض القرارات المتخذة كالإفراج عن الموقوفين وانعكاساتها على الوضع العام في مراكز الإصلاح والتأهيل. وتطبيقات أوامر الدفاع في إطار من النقد البناء ووضع البدائل في الكثير من الأحيان.
ثالثًا: الحق في الصحة نال نصيبًا واسعًا من التغطية الإعلامية؛ حيث مارس الإعلام خلال هذه الفترة دورًا كبيرًا في توعية الجماهير بشروط السلامة العامة من مرض كورونا، ولعب دورًا رقابيًا من خلال زيارة مستشفيات الحجر الصحي والاطلاع على الأوضاع فيها ونقل الدور الكبير الذي تقوم به الكوادر الطبية عامةً وإعداد تقارير في هذا الجانب.
هذا المشهد وفي العديد من تجلياته كان يقرأ الأحداث من زاوية حقوق الإنسان ويرتكز في تغطياته على المعايير الدولية وما كفله الدستور الأردني من حقوق وحريات بالإضافة إلى المنظومة القانونية الوطنية؛ وهو ما أضاف بعدًا قانونيًا لهذه القضايا إلى جانب الأبعاد الإنسانية والاجتماعية.
هذا المشهد الإيجابي لا يعني عدم وجود بعض الاختلالات أو النواقص التي شابت المشهد الإعلامي في بعض الأحيان، ولكن هذه التغطية الايجابية خلال هذه الفترة الطارئة لا بدّ من أن يتمّ تسليط الضوء عليه لإبراز كيف يكون دور الإعلام المسؤول والملتزم بالمعايير المهنية من دقة ونزاهة وموضوعية وتوازن ووضوح.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock