;
أفكار ومواقف

الكوميديا الأردنية المفقودة!

.. وهنا أنا أتحدث عن الإنتاج الكوميدي الفني، وبالتأكيد لا أتحدث عن الكوميديا التي تتحفنا بها الحكومة باستمرار.
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، تعرّف الإنتاج الفني الأردني إلى الكوميديا للمرة الأولى، عندما خطرت فكرة مسلسل اجتماعي ناقد لدى الفنان الراحل نبيل المشيني الذي ابتكر فكرة “حارة أبو عواد”، فعمد الفنان فؤاد الشوملي إلى كتابة الحلقات، وسرعان ما كان هذا المسلسل الكوميدي واحدا من أهم الإنتاجات الفنية في الأردن، بل تعدت سمعته الجغرافيا الأردنية ليصل إلى بلاد الشام ودول الخليج، وإلى ليبيا وتونس والجزائر.
بعد هذا المسلسل، وبالتزامن، تقريبا، تم إنتاج مسلسلين آخرين، هما “الشريكان” و”العلم نور”، ورغم الانطلاق في فكرة كل منهما من الواقع الاجتماعي ونقده، إلا أن جرعة الكوميديا ازدادت فيهما، في محاولة من الكتاب والمخرجين والفنانين لبلورة شكل ما للكوميديا الأردنية اعتمادا على اللهجة المحلية والشخصية الأردنية التي تواجه تحدياتها الخاصة.
وأيضا، نجح المسلسلان كثيرا في جذب المشاهد، ربما ليس مثلما فعل مسلسل “حارة أبو عواد” الذي كانت له ميزة الامتداد الزمني الأطول، ما رسخه في ذهن الجمهور، لكن هذا لا ينفي أن المسلسلين الآخرين اشتملا على إبداعات فردية لدى الممثلين قادت إلى نجاحهما.
المسألة لم تأت بالمصادفة، بل كانت وفق رؤية منظمة لدى أصحاب القرار وقتها، خصوصا حين سبق الأردن الدول الأخرى في العام 1980، وقام بتأسيس أكبر استديوهات في العالم العربي، وهي استديوهات “الشركة الأردنية للإنتاج التلفزيوني والسينمائي والإذاعي”، في الوقت الذي كانت المسلسلات العربية حينها يتم تصويرها في اليونان بسبب خلو البلدان العربية من مثل هذه الاستوديوهات.
استطاعت الشركة أن تستقطب الأعمال العربية، محققة أرباحا كبيرة، وإنجازات هائلة، حتى أصبحت كمن يلعب وحده في الميدان. لكن، وفي قمة الإنتاجات الفنية لهذه الشركة، جاء احتلال العراق للكويت، والحظر الذي فرض على التعامل مع الأردنيين من بلدان عربية، ما أدى إلى خسارات كبيرة، وصولا إلى تصفية الشركة الأردنية، وهي الخطوة التي أماتت آمال كثيرين.
من هنا بدأ التخبط في الإنتاج الفني الأردني، فقد أصبح الإنتاج يوجه إلى الداخل نتيجة إغلاق الأسواق الخارجية أمامه، وهي نقطة تتشابه فيها الدراما السورية الحالية التي لم يعد مرحبا بها في كثير من الفضائيات الكبيرة، بحسب ما قاله الفنان السوري الكبير أيمن زيدان مؤخرا، والتي فرضت ضعفا كبيرا في الإنتاجات السورية الحالية.
في ظل هذه الظروف، ظهرت “أنماط” من الكوميديا الهابطة التي لا يمكن لها أن تقنع المشاهد، وهي أنماط تعتمد أساسا على لغة الجسد وتعبيراته، والتي غالبا ما تكون مبالغا فيها، ولا تأتي ضمن السياق الموضوعي للموقف أو المشهد.
في كثير من الإنتاجات الجديدة كانت الفكرة هي أكبر الغائبين، بينما غاب، أيضا، الإبداع عن الفنان، ولم يستطع أي منهم التميز لنستطيع التأشير عليه على أنه “كوميديان” حقيقي، بعكس كثيرين أسسوا لهذا الفن أردنيا قبل ثلاثين عاما، ومع ذلك ما نزال نستحضر، إلى اليوم، أدوارهم التي أدوها.
المفارقة الغريبة في هذا السياق، هي أننا استطعنا إنتاج كوميديا أردنية عابرة للحدود في الوقت الذي كان الأردني يعتبر صارما ومتجهما ولا يضحك لـ”الرغيف السخن”، واليوم، ونحن نشهد تبدلات في هذه الشخصية، وفي الوقت الذي انتشرت فيه السخرية والطرفة وغيرها من التعبيرات الاجتماعية، واجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، مؤشرة على “خفة دم” وعلى تحويل الهم اليومي إلى مادة للتندر، نرانا عاجزين عن توظيف مثل هذه الحالة الاجتماعية في إنتاج فني معبّر وجاذب!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock